Friday, 3 January 2014

شعب بدون وطن؟ وطن بدون شعب؟

شعب بدون وطن؟ وطن بدون شعب؟


 المقال التالي أرسله إلي صديقي المؤرخ شلوموه زاند إثر حديث تليفوني بيننا في السادس من آذار لسنة 2010 سألته خلاله ماذا كتبت مؤخرا، فقال لي:
كتبت مقالا طويلا أرد فيه على الحملة المحمومة التي قامت إثر نشر كتابي: متى وكيف نشأ الشعب اليهودي، وسأرسله لك لتقرأه.
ترجمت المقال ولم أنشره حتى الآن. عنوان المقال:

شعب بدون وطن، وطن بدون شعب

الجاليات التي تتجمع في إسرائيل، لا يصح أن تدعى شعبا حتى الآن، لأنها ليست سوى أخلاط غير متجانسة وهباء بشر، لا يجمعها لسان واحد، ولا نشأة مشتركة، ولا جذور، ولم تتغذّ من تراث الأمة ولا تحمل شيئا من أحلامها.  (داڤيد بن چوريون، ייחוד וייעוד (تفرد ورسالة)، 1950)

عندما صدر كتابي باللغة العبرية انبرى البعض للرد عليه، وبعد ترجمته للغتين الفرنسية والإنچليزية على التوالي تناوله العديد من الأقلام وعقبوا عليه، ولا أظنني أنني أستطيع أن أُضَمِّن هذا المقال القصير الشرح الوافي ولا الرد الشافي على الذين حملوا علي في تعقيباتهم، وأكثر ما أجدني عديم الحيلة، في الرد على هؤلاء الذين زعموا أن كل ما ورد في كتابي ليس سوى أكاذيب، بينما يزعمون في الوقت ذاته أن كل ما كتب كان معروفا ومدونا من قبل ولا اعتراض عليه.  لذلك سوف ينحصر مقالي في الرد على أهم التعقيبات التي حاولت النيل من كتابي، الذي حطم العديد من الأصنام التي دأب على عبادتها الكثير من دعاة الخطاب الصهيوني.
قبل أن أخوض في صلب الموضوع، ودرءا لسوء الفهم، أرى من واجبي أن أنوه أنني لم أتوخ أن يتناول كتابي تاريخ اليهود، غاية كتابي هي نقد المزاعم وصوغ التاريخ التي ما زال سائدا حتى الآن، بالإضافة إلى ذلك، حاولت أن أحدد معالم القومية التي تتوكأ عليها دولة إسرائيل والتي ساهمت في نشوء وبلورة الأساطير التي من دونها ما كان للاستيطان الصهيوني أن يخرج إلى حيز التنفيذ، ليس كما نراه اليوم، على الأقل.  من الجدير بالذكر أيضا أن صوغ التاريخ المغرض ليست حكرا على المشروع الصهيوني، لأنه جزء لا يتجزأ من صوغ معتقدات الجماهير في جميع أنحاء العالم المعاصر.  جميعنا يعلم حق العلم أن ما تختزنه الشعوب في ذاكرتها القومية هو من بنات أفكار أناس أنيطت بهم مهمة نسج تلك الأساطير.

 اليهود موجودون منذ القدم

في الماضي، كانت كلمة شعب تطلق على الذين يعتنقون ديانة ما، كقولهم "الشعب اليهودي"، أو "الشعب المسيحي"، أو "شعب الله" وما يشبه ذلك.  أما في العصر الحديث، فقد أصبحت تلك الكلمة تشير إلى مجموعات من البشر، لها معالم حضارية ولغوية مشتركة.  لا أعتقد أن من الجائز إطلاق كلمة شعب على مجموعة من الناس قبل انتشار الطباعة ومعها جاء انتشار الكتب والصحف على نطاق واسع، حيث ساهم شيوع المطبوعات في نشوء التربية الوطنية.  قبل ذلك العهد، كان الاتصال بين الناس يتم على نطاق ضيق للغاية، وكان كعظم الناس يعملون في الزراعة وتربية الماشية، بحيث أن ثروتهم من اللغة كانت تقتصر على ما يحتاجه الواحد منهم للقيام بعمله وعبادته، ولذك لا أرى أن من الجائز أن نطلق كلمة شعب على مجموعة من الناس، معظمهم من المزارعين والرعاة الأميين، من يزعم ذلك يشوه وجه التاريخ!
عندما تزعم كتب التاريخ الصهيونية مملكة الحشمونائيم بأنها مملكة قومية، فإنها تثير السخرية، كيف تكون مثل تلك المملكة، دولة قومية، إذا كان حكامها الذين يعيشون في العاصمة يتكلمون الآرامية، بينما كان معظم رعاياهم يتكلمون لهجات مختلفة من العبرية، بينما كان التجار والحرفيين وكثيرون غيرهم يتكلمون اليونانية التي كثر انتشارها في ذلك العهد؟
حيث أن المؤرخين يعتمدون على دائما على ما دونه الأقدمون، وحيث أن جميع هؤلاء كانوا ينتمون إلى طبقة المثقفين في عصرهم، فقد وقعوا في خطاء التعميم، واعتقدوا أن تلك الوثائق تعكس حالة عامة الشعب، بينما كانت في الواقع، تصف لنا حالة قلة قليلة من الناس، وذلك لأن السواد الأعظم من سكان تلك الممالك والأمارات لم يكن لهم علم ولا تأثير بما يدور بلاط الحكام ومعاونيهم، وكان جل همّهم توفير قوت يومهم، لا غير.  كان الشعور بالولاء للحكام يأتي من الإقطاعيين وأثرياء المدن الذين يعتمدون على سطوة الحاكم للحفاظ على امتيازاتهم ولذك ساعدوه على تثبيت دعائم سلطته.
قبل العصور الحديثة لم يكن هناك مثقفون يعالجون في كتابتهم ما يمثل مصلحة عامة الناس، كان رجال الدين هم الوحيدون الذين اهتموا بنشر المعتقدات الدينية بين الجماهير، أما الحرية التي أتيحت لهم فقد كانت منوطة بقدرتهم على إرساء دعائم الدين بين عامة الناس، وقد كان من أسباب نفوذهم، ما اعتادوه من تضامن واتصال دائم في ما بينهم.  لم يقتصر تأثيرهم على نشر الإيمان فقط، بل نتج عنه أيضا تكوين ذاكرة مشتركة لدى عامة الناس، ولذلك فإن جموع البربر في جبال أطلس كانوا يعرفون عن قصة خروج اليهود من مصر، وعن نزول التوراة أكثر بكثير مما كانوا يعرفون عن الحاكم الذي يعيش في عاصمته بعيدا عنهم.  لم يختلف الأمر عن ذلك في فرنسا أيضا، حيث كان العديد من الفلاحين يعرف عن قصة ميلاد المسيح، بينما بعضهم لا يعرف اسم ملكه.
كما أنه لم يكن هناك منذ خمس مائة عام شعب فرنسي، أو بولندي، أو إيطالي، أو ڤيتنامي، كذلك أيضا لم يكن هناك شعب يهودي في العالم برمته.  لا شك أن العقيدة اليهودية وما يتبعها من عبادات وطقوس كانت موجودة بمقادير متفاوتة من التزمت والانتماء، لكن الصبغة اليهودية لتلك الجاليات كانت طفيفة كل ما كانت عناصر الحضارة الغير يهودية التي يعيشون بين ظهرانيها، تحتل حيزا أكبر في حياتهم اليومية.  التباين العميق في مظاهر الحياة اليومية للجاليات اليهودية حيث ما وجدت حمل المؤرخين الصهيونيين على الزعم بأن جميعهم ينحدرون من أصل واحد، وهذا الأصل لا بد من رده إلى العبرانيين القدماء، كما بيّنت ذلك في كتابي.  لأسباب موضوعية، لم يكن بوسع هؤلاء المؤرخين الزعم بأن اليهود جميعا هم سلالة واحدة، غير أن الغالبية العظمى منهم  أكدت أنهم ينحدرون من أب واحد وهذا ما يسوّغ لهم أن يزعموا بأنهم "شعب".   كما أن الفرنسيين كانوا على ثقة في ما مضى بأنهم جميعا من سلالة الغاليين، أو كما أن الألمان كانوا أيضا يعتقدون بأنهم ينحدرون من السلالات التوتونية الآرية، كذك كان اليهود أيضا يعتقدون بأنهم أحفاد اليهود الذين خرجوا من مصر.  أسطورة "الآباء العبرانيين"  كانت الشرط الذي لا غنى عنه لمزاعم الحركة الصهيونية بأن فلسطين من حق اليهود فقط، ولا يزال العديد من اليهود على يقين بأنهم أحفاد العبرانيين القدماء.  كلنا نعلم حق العلم، بأن الانتماء إلى فئة دينية ما لا تصلح أن تكون ذريعة لملكية رقعة من الأرض في العالم المعاصر،  ولكن من يزعم أنه حفيد أناس كانوا يعيشون يوما على رقعة من الأرض يستعمل تلك الذريعة، وهذا ما فعلته الحركة الصهيونية.
وهكذا، بجرة قلم، حول المؤرخون الصهيونيون كتب العهد القديم من كتابات حكايات دينية مؤثرة، إلى كتاب تاريخ علماني، يدرسه جميع الطلبة اليهود في إسرائيل منذ السنة الدراسية الأولى حتى نهاية المرحلة الثانوية.  استطاعت مناهج التعليم الحديثة في دولة إسرائيل أن تحول "بني إسرائيل"  من  "الشعب المقدس" إلى شعب من "نسل إبراهيم".  
عند ما أخذت الحفريات الحديثة تثبت أن خروج العبرانيين من مصر ليس سوى أسطورة، وأن المملكة الموحدة العظمى التي أقامها داؤود وسليمان، هي أيضا من الأساطير، كانت تلك صدمة كبيرة ومحرجة للجماهير اليهودية العلمانية في إسرائيل ولم يكن بوسعها أن تصدق تلك الاكتشافات (لأنها تنسف المزاعم الصهيونية من أساسها - المترجم)، ولذك لم يتورع بعض الغلاة من اليهود بأن يصموا علماء الآثار بأنهم "منكروا العهد  القديم".

الجلاء والذاكرة التاريخية

علمنة العهد القديم كانت تسير يدا بيد مع قومنة المهجر.  الأسطورة السائدة عن تهجير "الشعب اليهودي" من موطنه على يد الرومان في السنة السبعين للميلاد كانت الذريعة الوحيدة لادعاء الملكية اليهودية على أرض فلسطين، التي حولها الخطاب الصهيوني إلى "بلاد شعب إسرائيل".  في هذا نجد محاولة مريعة، ليس لها مثيل، لتحوير التاريخ، لصوغ ذاكرة مستحدثة للجماهير اليهودية.  رغم أن جميع الدارسين لتاريخ اليهود القديم يعلمون حق العلم، أن الرومان لم يطردوا اليهود من فلسطين، ولذلك، لا يوجد كتاب أو بحث جدي واحد يثبت هذا المزعم، رغم ذلك، فإن عامة الناس على ثقة بأن "شعب إسرائيل" القديم اقتُلع من وطنه قسرا، كما أشير إلى ذلك في وثيقة الاستقلال لدولة إسرائيل، ويظهر بجلاء على النقد الإسرائيلي. 
كلمة "جلاء" استعملها اليهود قديما للدلالة على رفضهم لفكرة الخلاص التي اتكزت عليها المسيحية التي تقول أن المخلص، أي المسيح قد جاء ومن ينكر ذلك فهو ملحد.  استعمل المؤرخون الصهيونيون هذه الكلمة لإضفاء معنى جديد له دلالات سياسية علمانية فقد استبدلوا المعنى الديني العميق الذي يقرن بين "الجلاء" و "الخلاص"، (أي أن الجلاء الذي فرضه الرب عقوبة لبني إسرائيل سينتهي عندما يعفو الرب عنهم ويرسل المسيح، أي الملك ليخلصهم ويعيد لهم مجدهم الغابر - المترجم) بمعنى آخر، بمهارة فائقة ليصبح "الجلاء" الذي يفضي إلى "الوطن".  ظل اليهود لقرون عديدة يحلمون بالعودة إلى صهيون، مدينتهم المقدسة، غير أن الهجرة إليها والعيش فيها لم يخطر حتى ببال اليهود الذين عاشوا قريبا منها، حتى تلك القلة القليلة من اليهود التي استوطنت مدينة القدس، كانوا على يقين أنهم لا يزالون في المهجر حتى يأتي المسيح ويخلصهم باستصحابهم إلى صهيون ومعهم جميع الأموات من اليهود.
وهنا لا بد لي من أن أنوه أنّ كتابي لم تكن غايته الطعن في "الحقوق التاريخية" لليهود في صهيون.  حتى عندما كنت لا أزال ساذجا وأصدق أن الرومان قد أجلوا اليهود في بداية العهد المسيحي، لم أكن أعتقد أن جلاء ألفي سنة عن بلاد ما يعطي حقوقا للذين جلوا عنها، بينما هؤلاء الذين يعيشون عليها باستمرار منذ ثلاثة عشر قرنا لا حقوق لهم.  هل يخطر ببال أحد أن ينفي الوجود الأمريكي الحالي بسبب حقوق السكان الأصليين؟ أو أن يدعو إلى طرد الغزاة النورمانديين من بريطانيا أو إعادة العرب إلى إسبانيا. إن الذي يستند في دعواه إلى قصص خرافية وأساطير دينية من الأزمنة الغابرة، يكون كمن يهزأ بالتفكير السليم والمنطق القويم.  حق إسرائيل في الوجود لا ينبع من قصص العهد القديم ولكن من أحداث تاريخية مؤلمة لا سبيل إلى نقضها، وكل محاولة لنفي حقها في الوجود ستؤدي إلى مزيد من الكوارث والمآسي.

هل الفلسطينيون هم أحفاد قدماء اليهود؟

إذا كان الجلاء اليهودي لم يتم، ماذا حل إذن بالسكان اليهود في ذلك العصر؟ اتهمت بأنني زعمت أن فلسطينيي اليوم هم أحفاد قدماء اليهود، أنا لم أكن أول من زعم ذلك، أنا نقلت بأمانة، ما قاله آباء الحركة الصهيونية أمثال يسرائيل بالكيند وداڤيد بن چوريون ويتسحاك بن تسڤي الذين كانوا على ثقة بأن العديد من الفلاحين الذين قابلوهم في بداية استيطانهم هم من أحفاد "الشعب اليهودي" القديم ولذك يجب الاندماج في ما بينهم.  كان اعتقادهم ينبع من معرفتهم أن الرومان لم يجلوا اليهودمن فلسطين في القرن الميلادي الأول، ولذلك استنتجوا بحق أن الفلسطينيين هم أحفاد اليهود القدماء الذين اعتنقوا الإسلام مع استيلاء العرب على فلسطين في القرن السابع الميلادي.  تنكر بن چوريون في ما بعد لاعتقاده الأول عندما شارك في كتابة وثيقة الاستقلال لدولة إسرائيل، دون أن يشرح سبب ذلك التحول.  في اعتقادي، أن سكان فلسطين في العهد الحديث، ينحدرون من أصول متنوعة مثل معظم شعوب العالم المعاصر، حيث أن فلسطين خضعت لسيطرة العديد من الشعوب على مر التاريخ، من مصريين ويونان ورومان وعرب وأتراك، فإن دماء هؤلاء جميعا اختلطت ونتج عنها الشعب الفلسطيني كما نعرفه اليوم.  رغم إنني لا أعير هذه الحقيقة كبير اهتمام فإني اعتقد أن بن چوريون الشاب قد قارب الصواب، لأن أحد سكان الخليل اليوم أقرب سلالة إلى قدماء اليهود من معظم يهود العالم المعاصر.

الملاذ الأخير: علم الوراثة

بعد أن استنفُدِت جميع التعليلات التاريخية، لجأ العديد من منتقديَّ إلى علم الوراثة، بتناقض صارخ لزعمهم بأن الصهيونية لا تقول بأن اليهود من سلالة واحدة، وكأنهم يقولون "اليهود ليسوا خلصاء، ولكنهم يعودون إلى أصل واحد".  عبثا، حاول بعض المختصين في إسرائيل، في الخمسينيات من القرن العشرين، البحث عن تشابه في بصمات الأصابع لدى اليهود، أو وجود أمراض تنتشر بين اليهود أكثر من سواهم.  منذ سبعينيات ذلك القرن وتطور وسائل الكشف عن الأسّ الوراثي في الخلايا الحية (الجينات) عمد العديد من العلماء في معاهد البحث الإسرائيلية والأمريكية للتنقيب عن صفات وراثية مشتركة لجميع "بني إسرائيل".  تناولت بالتفصيل في كتابي عدم جدية النتائج التي تمخضت عنها أبحاث هؤلاء العلماء، والتناقض الذي أوقعتهم فيه رغبتهم العارمة في إيجاد دليل علمي لوحدة الأصول اليهودية.  القاسم المشترك لمعظمهم هو التوكأ على ما درسوه من الخطاب الديني الذي جعلهم يؤمنون بأن تلك النصوص الدينية تروي بأمانة ودقة، وقائع أحداث من الماضي السحيق، ولذلك لا بد من البحث عن برهان علمي يؤلد صحة تلك الأساطير.  يذكرني هؤلاء العلماء من الصهيونيين ومريديهم، بتلك المجموعة الأوروبية من العلماء التي حاولت في نهاية القرن التاسع عشر أن تبرهن بأن للشعوب الآرية جمجمة تختلف في شكلها وحجمها عن جماجم غيرهم من الشعوب، وكأن القدرات العقلية للإنسان ترتبط بالمظهر الخارجي لجمجته!  
من الجدير بالذكر، أن جميع المحاولات لاكتشاف صفات وراثية مشتركة لليهود قد باءت بالفشل حتى الآن.  من سخرية القدر أن أحفاد ضحايا النازية يبحثون عن الهوية اليهودية في الخلايا الحية ( لا شك أن ذلك كان سيثلج قلب أدولف هتلر، بعد أن أخفق هو بذلك! ).  من المثير أيضا، أن مثل هذه المزاعم والأبحاث تتم في دولة تنفذ منذ عقود سياسة معلنة لتهويد البلاد، ولا تقر بزواج اليهودي من غير اليهودية!   

المتهودون، الخزر، المؤرخون

رغم إقرار جميع منتقديّ بأن قصة جلاء "الشعب اليهودي" من بلاده على يد الرومان في القرن الميلادي الأول، لا أساس لها من الصحة، ورغم إقرارهم بأن كتب العهد القديم ليست مصادر تاريخية موثوقة، ظل الكثير منهم يقذفني بسهامه لأنني عالجت في فصلين من كتابي "القضية الخزرية"، قال الكثير منهم: 
"كلنا قرأنا في حداثتنا عن تهود الخزر"، "هذه قصة مهترئة وغير موثقة"، "الكاتب المعادي للسامية، آرتور كوستلر، هو الذي لفقها"، "العرب يسخرون هذه القصة منذ مدة طويلة"، وكثير غير ذلك.
لعل أكثر ما شد انتباهي، أن أحدا من هؤلاء النقاد لم يذكر، ولو بكلمة واحدة، التهويد القسري للجيران، الذي أقدم عليه الحشمونائيون، واعتناق بعض الجماعات الكبيرة لليهودية، حول حوض البحر المتوسط، في العصور القديمة، ومنها على سبيل المثال، مملكة حدايب في بابل القديمة، مملكة حمير في اليمن، البربر في شمال إفريقيا.  على النقيض من الاعتقائد السائد في أيامنا، فإن أتباع اليهودية منذ بداية القرن الثاني للميلاد وحتى مستهل القرن الرابع على الأقل كانوا يعملون بحماس لنشر مذهبهم بين الفئات الأخرى، ولا  يوجد من يستطيع أن يتنكر بالبرهان لهذها الحقيقة التاريخية.  لم يتوقف العمل على نشر اليهودية، إلا عندما قامت دول مسيحية ( وإسلامية في ما بعد ) وحظرت على اليهود الدعوة إلى اليهودية بين رعاياها، ولكن ذلك لم يحل دون محاولة نشر اليهودية بين الشعوب الوثنية، وهذا هو المدخل لقصة اعتناق جموع الخزر لليهودية.
هناك إجماع على أن تحول الإمبراطورية الخزرية إلى اليهودية حدث في القرن الثامن الميلادي، غير أن المؤرخين الصهيونيين يستشيطون غضبا عندما يزعم غيرهم بأن انتشار اليهودية الكثيف في شرق أوروبا كان نتيجة لانهيار تلك الامبراطورية وهجرة الكثير من اليهود فيها إلى أوكراينا وروسيا وبولندا والمجر.  لا بد من التنويه بأن كوستلر لم يكن أول من زعم بأن الوجود اليهودي الكثيف في تلك الأرجاء نتيجة لهجرتهم من الامبراطورية الخزرية المتداعية، ولعل ذنبه الوحيد أنه كان آخر من نشر أبحاثه.  حتى نهاية الستينيات من القرن العشرين، اعتقد عامة المؤرخين والصهيونيين منهم أيضا، ما كتبه كوستلر في ما بعد، وقد أوردت في كتابي العديد مما كتبه هؤلاء، ولذلك كانت دهشتي شديدة عندما زعم بعض النقاد: "قصة الخزر كانت معروفة لنا، وقد كتبنا عنها".
في ما يلي أورد بعض الأمثلة:
زعم بن تسيون دينار، المؤرخ الأول في أسرائيل ووزير التربية والتعليم في الخمسينيات، أن بلاد الخزر أصبحت "المصدر لجميع الجاليات، هي المصدر لإحدى كبرى الجاليات، أي الجاليات اليهودية في روسيا وليتوانيا وبولندا"
أما المورخ الأمريكي اليهودي شالوم بارون المعروف بتعاطفه مع إسرائيل فقد كتب يقول: "ذلك الوجود اليهودي الظاهر للعيان، أثر لعشرات العقود من خلال وجوده (740-1250) ومن خلال فروعه التي امتدت في شرق أوروبا، واستمر تأثيره العميق على التاريخ اليهودي أكثر بكثير مما يخطر على بالنا الآن.  من بلاد الخزر انطلق اليهود إلى سهوب شرق أوروبا الواسعة الأرجاء خلال ازدهار الإمبراطورية الخزرية وخلال هبوطها".
عندما سئل الباحث الفرنسي المعروف مارك بلوخ، من هم اليهود؟ قال:
"هم مجموعة من المؤمنين التي نشأت في الماضي البعيد على جوانب البحر المتوسط وفي المحيط التركي - الخزري والسلاڤي". 
وضع المؤرخ أفراهام پولاك، وهو مؤسس موضوع تاريخ الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب، كتابا يعتبر المرجع الأهم والأشمل في مجاله، يشير فيه إلى أن الغالبية العظمى من يهود شرق أوروبا تنحدر من قبائل كانت تعيش في المملكة الخزرية.  الفرق بين المؤرخين الصهيونيين وسواهم هو أن الصهيونيين يزعمون دون أي دليل، أن سيلا كبيرا من المهاجرين اليهود الذين استقروا في بلاد الخزر جاؤوا إليها من فلسطين.  هذه ليست سوى محاولة عقيمة لردهم إلى أصول عبرانية.
منذ أن نشر پولاك أبحاثه في أربعينيات القرن العشرين حتى يومنا هذا، لم تصدر دراسة واحدة تبحث في العلاقة بين القبائل التي تهودت في المملكة الخزرية الواسعة الأرجاء وبين ظهور تلك الأعداد الغفيرة من اليهود الناطقين بالييديش، لم يكتب حتى اليوم بحث موثق واحد ولم تظهر أي دراسات يعول عليها تفسر لنا كيف يمكن أن ينبثق ذلك السيل الغزير من الهجرة اليهودية، من تلك الجالية الصغيرة في غرب ألمانيا، والتي نتج عنها وجود أكثر من ثلاثة أرباع مليون من اليهود في الاتحاد البولندي الليثواني (عدا عن اليهود الذين وجدوا في أوكراينا الشرقية، روسيا، رومانيا، المجر، وبوهيميا)، وهو عدد ضخم جدا في ذلك الوقت الذي سبق الانفجار السكاني في القرنين التاسع عشر والعشرين.  زعم بعض خبراء النمو السكاني الصهيونيين، أن تكاثر اليهود يفوق غيرهم بعشرات الأضعاف لأنهم يغسلون أيديهم قبل تناول الطعام.  هذا زعم باطل يتوكأ على حجج واهية.  ما لم تنشر دراسات جديدة تفسر ظهور تلك الجاليات اليهودية الكبيرة في شرق أوروبا،  والتي لا مثيل لها في أي بقعة أخرى من العالم، فإن التفسير الوحيد لذلك، هو نزوحهم من مملكة خزرية ازدهرت خلال العصور الوسطى.  ( من الجدير بالذكر أن عدة دراسات ألسنية، أشارت إلى أن لغة الييديش جاءت من أصول تختلف عن لغة اليهود الألمان التي انتشرت في الأحياء اليهودية (الچيتو) في غرب ألمانيا).
منذ أن انطوت صفحة الاستعمار في آسيا وإفريقيا، وبعد ظهور الحركة الوطنية الفلسطينية واحتلال إسرائيل في سنة 1967 لما تبقى من فلسطين إلى الغرب من نهر الأردن، لم يعد هناك شك (عند غلاة الصيهيونية) بأن الفاتحين اليهود الجدد للقدس هم أحفاد العبرانيين في مملكة داؤود وسليمان، وكما نفى المؤرخون السوڤييت اليهود الخزر من كتبهم، بعد الحرب العالمية الثانية، نفاهم أيضا مؤرخو الحركة الصهيونية من كتبهم بعد حرب سنة 1967.  في الحالتين كانت الدوافع العقائدية - السياسية هي التي أملت تشويه الوقائع التاريخية.

نفي وجود شعب إسرائيلي

اتهمت أيضا بأنني "أنفي وجود شعب يهودي"، وأنا أقر واعترف بأن هذه التهمة لا تخلو من الصدق وإن كانت الغاية منها التقريع والتلميح إلى أنني أنفي وقوع المحرقة، وهذه تهمة لا تغتفر.
إذا كان انتشار الكتب والصحافة على نطاق واسع هو السبب في نشوء القوميات في العصر الحديث أفلا تكون تلك الظاهرة أيضا تمخضت عن ولادة شعب يهودي؟  الجواب هو لا، لم يحدث ذلك، باستثناء شرق أوروبا حيث كان اليهود يمثلون نسبة ملموسة من السكان وحيث كان لهم لغة مشتركة ومعالم حضارية خاصة بهم، لم ينشأ شعب يهودي يضم تحت لوائه جميع اليهود في العالم.  مؤسسي حزب "البوند" اليهودي الكبير الذي نشأ في شرق أوروبا كانوا يعلمون بأن تخوم الشعب الذي أرادوا الحفاظ على كيانه ومصالحه لا تتعدى تخوم انتشار لغة الييديش.  من الواجب التنويه أيضا بأن أوائل الصهيونيين في غرب أوروبا  كانوا يعتقدون بأن فلسطين يجب أن تكون لليهود الناطقين بالييديش وليس لهم، فقد كانوا يشعرون بالانتماء للدول التي عاشوا فيها وكانوا ينظرون إلى أنفسهم كرعايا بريطانيين أو فرنسيين أو ألمان أو أمريكيين وقد حاربوا في صفوف جيوش تلك الدول بحماس وغيرة.
رغم عدم وجود شعب يهودي في الماضي، أوَلم تنجح الحركة الصهيونية في ابتعاثه؟  
كل حركة قومية حلمت بابتعاث شعب، عملت على نسبته إلى أصول معرقة في القِدَم، هذا أيضا ما فعلته الحركة الصهيونية، وإذا كانت قد حققت غايتها في إيجاد شعب لم تنقطع مسيرته منذ القدم فإنها قد أخفقت في ابتعاث شعب يهودي ينتمي إليه جميع اليهود في العالم.  لا توجد اليوم بقعة على الأرض لا يستطيع اليهود الهجرة منها إلى إسرائيل، رغم ذلك فإن معظمهم لا يرغب في العيش في ظل سيادة يهودية ويفضل العيش في دول قومية مختلفة بل ويختلط بهم بالزواج أيضا.  بيد أن الصهيونية وإن أخفقت في ابتعاث شعب يهودي عالمي، أو قومية يهودية، فقد نجحت في ابتعاث شعبين وقوميتين جديدتين، ولكنها، من سوء الحظ، تأبى الاعتراف بوجودهما، بل إنها ترى فيهما كيانان غير شرعيان.  يوجد اليوم شعب فلسطيني، وهو وليد الاستعمار، يحلم بدولة ذات سيادة ويحارب بكل ما أوتي من وسائل للحفاظ على ما تبقى من وطنه، ويوجد شعب إسرائيلي يبذل كل ما في وسعه للحفاظ على استقلاله القومي، كما أن له لغته الخاصة به ونظام تعليم شامل وإنتاج أدبي وفني يعبر عن نشاطه الزاخر في كل المجالات، دون أن يكون لباقي اليهود في العالم أي مساهمة في ذلك.
بوسع اليهود الصهيونيين الذين يعيشون خارج إسرائيل أن يمدونها بالمال، وأن يحملوا الحكومات في بلادهم على تأييد إسرائيل وتقديم المعونات المالية والعسكرية والاستخباراتية، كل ذلك في الوقت الذي لا يجيدون النطق باللغة العبرية وهي اللغة الرسمية لدولة إسرائيل، أي أنهم لا يفهمون لغة تلك "القومية" التي يزعمون بأنهم جزء منها! كما أنهم يمتنعون عن الالتحاق "بالشعب الذي عاد إلى أرض أجداده"، ولا يرسلون أبناءهم للمشاركة في حروب إسرائيل.
في الوقت الحاضر، يفوق عدد اليهود الذين يهاجرون من إسرائيل إلى دول الغرب عدد اليهود الذين يهاجرون من تلك الدول إلى إسرائيل.
كلنا نعلم بأن معظم اليهود الذين هاجروا من دول الاتحاد السوڤييتي السابق إلى إسرائيل، كانوا يفضلون الهجرة إلى أمريكا لو أتيح لهم ذلك، كما فعل الناطقين بالييديش قبل قرن من الزمن.
ترى هل كانت إسرائيل لتقوم لو لم تغلق الولايات المتحدة أبوابها في وجه الهجرة من أوروبا الشرقية في سنوات العشرينيات من القرن العشرين، وقد ظلت سياسة الهجرة عديمة الرحمة تلك تغلق الأبواب في وجه الفارين من النظام النازي قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها وفي ما بعد الحرب. 
لعل أقل البلدان أمنا في العالم في هذه الأيام، للذين يعتبرون أنفسهم يهودا هي إسرائيل، بينما كانت الصهيونية تزعم أنها تسعى لإقامة كيان يعيش فيه اليهود آمنين، ومن أسباب في ذلك عدم اعتراف الحركة الصهيونية بوجود شعب إسرائيلي، لأنها ترى في اليهود المقيمين في إسرائيل مجرد طلائع استيطانية في مشروع استيطاني توسعي مستمر، ولذك يجب أن يظل معزولا عن محيطه ومزملا بعقائدية عرقية منطوية على نفسها.
كانت ولادة معظم القوميات من توهّم ماض مشترك وأصل واحد انحدر منه جميع أبناء "الشعب".  ظل النقاش محتدما حول تعريف ماهية المعالم المشتركة التي تؤلف قومية ما، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ولا يزال هذا النقاش مستمرا حتى أيامنا هذه في عديد من بقاع الأرض.  في معظم الدول الديمقراطية - الليبرالية تسود اليوم قومية قوامها المواطنة السياسية، حيث تم فصل الدين عن الدولة وأصبحت القيم العلمانية الإنسانية من حرية ومساواة في الحقوق والواجبات دون تمييز، هي التي تجعل من الإنسان جزءا من ذلك الكيان.  بينما لا تزال بعض الدول ترى في الانتماء العرقي أو الديني أو كليهما، الشرط الأول للحصول على الحقوق المدنية والسياسية وامتلاك الأرض.
نشأت الصهيونية في وسط وشرق أوروبا وتأثرت كثيرا بالتيارات العقائدية السائدة في موطِن نشأتها، حيث كان الانتماء منوطا بالمنشأ العرقي المتصل بعقيدة دينية هو الشرط الذي لا بد منه للحصول على عضوية كاملة في تلك المجتمعات، حيث لم تشفع لغة مشتركة، أو إقامة طويلة، أو الاندماج في الحياة المدنية العلمانية بجميع أشكالها ليصبح المواطن جزءا من الأمة.
ما زالت الحركة الصهيونية تتشبث بالانتماء إلى أحفاد إبراهيم واسحق ويعقوب والدين اليهودي كشرط لا بد منه للانتماء "للشعب اليهودي"، وهذا يعني أن باب الانضمام إلى هذا "الشعب" مغلق أمام جميع العلمانيين.  بل أن الخروج من حظيرة تلك "القومية" غير ممكن.  هذه هي المعضلة الكبرى التي تواجه إسرائيل اليوم.
أدى الاستيطان الصهيوني في فلسطين إلى مزيد من التشبث بهذه الصيغة من القومية، وإذا كان هناك من قادة الصهيونية من كان يرى في الفلسطينيين أحفاد قدماء اليهود ويعتقد بإمكانية اندماجهم في الكيان الصهيوني المزمع إقامته، فقد تلاشت تلك الفكرة تماما مع ظهور بوادر المعارضة العربية للاستيطان الصهيوني، فأصبح الانتماء العرقي - الديني هو الذي يجب أن يتوفر في أي شخص يرغب في الانضواء تحت لواء هذه "القومية" المستحدثة.
لم يتمسك مجتمع استيطاني بالانتماء العرقي - الديني كما تمسكت به الصهيونية، ففي أريكا الشمالية مثلا، دام ذلك التمسك طويلا ثم تلاشى، أما في أمريكا اللاتينية - الكاثوليكية التي شهدت نشوء قوميات جديدة منذ أمد غير بعيد، فقد تلاشت تلك الصيغة بسرعة أكبر.
ظهرت في إسرائيل في مستهل الستينيات من القرن العشرين بوادر طفيفة لصيغة علمانية قومية لكنها ما لبثت أن توارت إثر حرب 1967 ووقوع أعداد كبيرة من الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي، مما أدى إلى مزيد من التعصب وهيمنة عقيدة "العرق" اليهودي المُتَوَهّم.
ما زالت إسرائيل ونحن في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تُعَرّفُ نفسها بأنها دولة يهودية تعود "للشعب اليهودي" ، أي أنها دولة جميع يهود العالم حيث ما حلوا ونزلوا، وليست دولة جميع مواطنيها الذين يعيشون فيها، ولذك من الصواب أن ننعتها بأنها دولة "إثنوقراطية" وليست ديمقراطية كما تزعم، حيث جميع الدول الديمقراطية الحديثة على اختلاف أشكالها إنما تمثل جميع مواطنيها وتعمل على تلبية حاجاتهم دون استثناء أي فئة ودون محاباة أي فئة دون أخرى.  العمال الأجانب في إسرائيل وعامتهم من دول جنوب شرق آسيا كالفيلبين وسيريلانكا، يظلون غرباء، حتى لو عاشوا وعملوا فيها عشرات السنين وأنجبوا أولادا لا يعرفون لغة لهم سوى العبرية.
خمس السكان في إسرائيل هم من العرب الفلسطينيين، وهم سكان البلاد الأصليين، ولكن الدولة تعتبرهم أعداء أو غرباء في أحسن حال، رغم أن إسرائيل قامت على أنقاض وطنهم واستولت على معظم أراضيهم.  لن أفاجأ إذا ما اندلعت الانتفاضة القادمة من بين صفوفهم إذا ما استمر الحال على ما هو عليه اليوم.
هناك من يطيب له أن يتجاهل الواقع القائم ، ويطيب له الاستمرار بالادعاء بأن "الشعب اليهودي" موجود منذ أربعة آلاف سنة، وأن "أرض إسرائيل" كانت دائما ملكه الخاص، غير أن تلك الأساطير التي سُخِّرَت في الماضي القريب (بواسطة الخيال المجنح لبعض المؤرخين الصهيونيين)، لإقامة دولة إسرائيل، هذه الأساطير بعينها قد  تكون السبب في زوالها.

Wednesday, 1 January 2014

دراسة الفيزياء

دراسة الفيزياء

أطلب المعرفة لأجل المعرفة وهي تجلب لك السعادة (قول يوناني).
عزيزي طالب العلم،
يحكى عن الفيلسوف اليوناني العظيم أفلاطون، ( 347-427 ق.م.) أنه كتب فوق مدخل مدرسته هذه العبارة:
" من يجهل الرياضيات لا يدخل من هذا الباب "
هذه العبارة هي الدليل على عظمة أفلاطون وعلى ثاقب نظره .  (أرجو أن تقرأ شيئا من كتاباته الكثيرة) .
" الكون مبني حسب نموذج رياضي ".  هذه الكلمات للفيلسوف والرياضي البريطاني المعروف بِرتراند رَسِل 
1970-1872   Bertrand Russell  .  بكلمات أخرى: " كل ما في الكون من أشكال وحركات يمكن وصفها بواسطة الرياضيات " .   
لعلك تتساءل ما الذي يجعلني أستهل المدخل لكتاب يعالج علوم الطبيعة بالتنبيه إلى أهمية الرياضيات، الجواب على ذلك هو أنّ الإلمام بالرياضيات هو المفتاح الذي لا غنى عنه ولا بديل له لدراسة علوم الطبيعة على فروعها المختلفة من هندسة وطب وكيمياء وفلك وغيرها.  من يدرس تاريخ الاكتشافات في علوم الطبيعة يجد أنها ترتبط ارتباطا وثيقا بتطور الرياضيات ولذا كان لا بد لي من أن ألفت النظر إلى هذه العلاقة المتينة بين الموضوعين.
" دراسة الرياضيات والطبيعيات من الأمور الصعبة ".  كلام يكثر ترديده بين الناس عامة والطلاب خاصة، فما هي الحقيقة؟
قبل أن أحاول الإجابة أود أن أورد أمامك نص رسالة بعث بها بديع الزمان الهمذاني، الذي كان من أئمة عصره في الكتابة، إلى ابن أخت له كان ينفق عليه من ماله ليتعلم.  كتب إليه:
" أنت ولدي ما دمت والدفتر أليفك والمحبرة حليفك،العلم شأنك والمدرسة مكانك، فإذا قصّرت، ولا أخالك، فغيري خالك، والسلام ".
ولا بد لي أيضا من أورد ما ذكره ضياء الدين بن الأثير هذا (وزير صلاح الدين الأيوبي) عن نفسه في كتابه 
" المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر " يقول، أنه بعد أن حفظ القرآن الكريم دأب على حفظ الحديث فاختار ثلاثة آلاف حديث نسخها بيده وأخذ يقرأها مرة كل أسبوع لمدة عشر سنوات دون انقطاع حتى حفظها جميعا عن ظهر قلب لا تفوته منها كلمة واحدة! وكان يحفظ الكثير من الشعر والنثر مما ساعده على أن يبلغ في كتابه المذكور ما لم يبلغه أحد قبله في نقد الشعر والنثر.
ويبقى السؤال، أين الحقيقة؟ الحقيقة هي أنّ الكسل والتواني والنّكوص يلد الفشل والجد والاجتهاد والعزم يلد  النجاح ولقد قال توماس إديسون 1931-1847 Thomas Eddison المخترع الأمريكي المعروف الذي سجل في حياته أكثر من ألف براءة اختراع:
" واحد في المائة من العبقرية يأتي من العقل وتسع وتسعون في المائة يأتي من العرق ".
من الطبيعي أن يواجه الواحد منّا شيئا من الصعوبة عندما نبدأ دراسة مادة لا عهد لنا بها من قبل، من الطبيعي أيضا أن تختلف هذه الصعوبة من فرد لآخر، قد يحتاج العازف على آلة موسيقية أن يعيد عزفها مئات المرات قبل أن يبلغ درجة الإتقان.  ما الغريب إذن في أن  يعيد الواحد منا قراءة مادة ما مرة بعد مرة حتى ينجلي له ما استغلق عليه فهمه منها؟ بالعزم والإصرار والمثابرة نستطيع أن نجعل من عقولنا شعلة متوهجة ندرك بها أسرار هذا الكون ونساهم في صنع حياة أفضل فالتطور السريع للعلوم يقتضي منا استمرار التحصيل حتى لا نصبح بمعزل عما يدور حولنا في عصر تيسّرت فيه وسائل العلم كما كَثُرَت فيه المهاوي التي تقود إلى الجهل.
 تذكّر دائماً أن العالِم يَقود والجاهل مَقود.  هذا القول ينطبق على الأفراد كما ينطبق على الأمم والتاريخ يشهد !     
تذكّر أيضا أن للعقل خاصة فريدة وهي: كلما تعلمنا أكثر كلما أصبح التَّعَلُّم أيسر أي أن الذي يقرأ ويدرس ويُجهِد عقله باستمرار في اكتساب المعارف والمهارات تزداد قدرته باطراد على كسب المعرفة وكلما كان ذلك أبكر كان أفضل  ومن يستسلم عقله للكسل والخمول يكون شأنه كمن أهمل آلة فيعلوها الصدأ فلا تعد تصلح للاستعمال..
لا أظنّ أن هناك إنسان عاقل لا تمر بذهنه بعض هذه الأسئلة أو غيرها:
كيف يتعاقب الليل والنهار؟
كيف تتولّد الفصول؟
كيف تتولد الحرارة في الشموس وكيف تصلنا؟
كيف يتكون المطر والصواعق والندى والرياح؟
كيف تعمل محركات البخار ومحركات الاحتراق الداخلي على مختلف أنواعها ؟
كيف يتم توليد الطاقة الكهربائية من مصادر مختلفة وكيف تعمل الأدوات الكهربائية المختلفة الأغراض؟ 
كيف تطير الطيور والحشرات؟ كيف تطير الطائرات، من نفاثة ومروحية، مجنحة وعمودية؟
كيف يتم إرسال الصوت والصورة عبر مسافات بعيدة بمثل هذا الوضوح؟
كيف تتولد الطاقة النووية من انشطار بعض الذرات أحيانا واندماج بعضها أحيانا؟
كيف يتم تصوير العظام والأعضاء الداخلية للجسم؟
كيف يعمل الحاسوب وكيف يُنظِّم ويوجه عمل الآلات العديدة ويتحكّم بها؟
كيف تنتقل قوة الجاذبية وبأي سرعة؟ 
لماذا تبتعد المجرات عن بعضها وهل سرعتها في تزايد أم نقصان؟
ما هو مجموع كتلة المادة الموجودة في الكون؟
هل هناك حياة على كواكب أخرى في الكون؟
هل سنتمكن من القيام برحلات خارج المجموعة الشمسية ومتى؟ 
تساؤلات لا حصر لها بعضها نعرف الإجابة عليه وبعضها لا زلنا نبحث عن الإجابة عليه.  ما أنجزناه حتى اليوم يرجع الفضل فيه إلى ما أحرزه علماء الرياضيات والطبيعة من اكتشافات على مدى العصور، ولعل أكثر ما يميز العصر الحديث هو كثافة الأبحاث وتشعبها بعد أن أصبحت الدول تتنافس لتحتل مكان الصدارة بواسطة إنجازاتها العلمية التي وفّرت لها القوة الاقتصادية والتفوق العسكري.    
من يتابع عن كثب ما يجري في السنوات الأخيرة يلاحظ أن عائدات الثروات الطبيعية لم تعد المصدر الوحيد الذي تعتمد عليه الشعوب إذ أنّ العائدات الناتجة عن التقدم العلمي أصبحت في المقدمة والبرهان على ذلك هو الأرباح العالية التي تحققها الشركات التي تنزل إلى الأسواق كل يوم باختراعات جديدة من برامج للحاسوب ووسائل اتصال وأدوات طبية وعقاقير جديدة وغير ذلك وهو يكاد لا يحصى.
كانت  الثورة الصناعية نتيجة طبيعية بل حتمية لتطور علوم الرياضيات والطبيعة في أوروبا وأتاحت لشعوبها من الأسلحة ما لم يكن معروفا في إفريقيا وآسيا فاجتاحت شعوب أوروبا القارات الأخرى ونهبت خيراتها وتلاعبت بمصير شعوبها ولا زالت المعاناة مستمرة في كثير من بلدان العالم التي قعد بها التخلف عن صيانة واستغلال مواردها الطبيعية والبشرية .
وفي ختام هذه الكلمة أود أن ألفت نظر الطالب والمعلم إلى أمر هو في غاية الأهمية والخطورة وكان يجدر بي أن أصدّر به كلمتي هذه ألا وهو إجادة اللغة.  اللغة ليست فقط وسيلة للتعبير بل هي أيضا أداة للتفكير.  كلما كانت ثروتك اللغوية أكبر كلما أتيح لك أن تعبر عن نفسك بوضوح أكثر وأن لا يلتبس عليك فهم ما تقرأه أو تسمعه.  ولعل أجمل وأدق ما قرأت في فضل البلاغة ما جاء في كتاب "البيان والتبيين" للجاحظ حيث جاء: 
"يكفي من حظ البلاغة أن لا يؤتى الناطق  من سوء فهم السامع ولا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق" 
فإذا فاتك فهم هذه العبارة فلا يهدأن لك بال حتى تحيط بمعناها.

      أتمنى لك دراسة ممتعة ومستقبلا زاهرا
  عصام زكي عراف
  معليا- الجليل الغربي

   

Monday, 30 September 2013

أهو عرس أم مأتم؟

أهو عرس أم مأتم؟

«عرس الديمقراطية»، هو اسم مرادف لموسم الانتخابات في المجتمعات المتحضرة، لأنه يعيد إلى الأذهان ذلك الإنجاز الذي أحرزه القدماء من سكان أثينا قبل ما يقرب من ألفين وخمسمائة عام يوم كانوا يجتمعون في الساحة العامة التي تدعى باليونانية « Aγορά أچورا» للتداول والبت في أمور المدينة وفيها كانت الممارسة الأولى لانتخاب حكام المدينة من الشعب.  هناك كان مولد الديمقراطية التي جاءت من الكلمتين ديموس δῆμος ومعناها شعب، وكراتوس κράτος ومعناها قوة أو حكم ومنهما تكوّنت الكلمة ديمقراطية δημοκρατία والتي تعني «حكم الشعب».
يقول الفيلسوف اليوناني أفلاطون في كتابه «الجمهورية»، أن الحكماء من الشعب هم أجدر الناس بتولي السلطة، لأن الحكيم يؤثر المصلحة العامة على الخاصة، ويحسن تصريف الأمور، ويستخدم في المناصب العامة أصحاب الكفاءة، ولا يحابي الأقارب والأصدقاء أو الأغنياء.
ما الذي يحدث عندنا في موسم الانتخابات؟
إذا ما نظرنا إلى المرشحين، نرى أن الغالبية الساحقة منهم تعتقد بأن الوصول إلى المجلس المحلي أو البلدي هو وسيلة للحصول على الجاه (الزائف) بحيث يجعله يبدو أعلى مقاما في أعين الناس، حتى لو كان يفتقر إلى أي رصيد علمي أو ثقافي وأن ماضيه ملوّث بما يشين من الأفعال والمواقف، وإذا ما تحدث فلن تسمع منه سوى التضليل، والهراء والكذب والنفاق.  الأسوأ من ذلك هو العداوات التي تخلفها الانتخابات في مدننا وقرانا بين الأقارب والأهل والجيران والتي قد تستمر لعشرات السنين أحيانا فتمزق نسيجنا الاجتماعي وتحفز الناس على الانتقام فتحول حياة الناس إلى جحيم لا يطاق وتشل حياتنا في كثير من الوجوه.
العديد من هؤلاء يصل إلى المجلس أو البلدية كأعضاء أو كرؤساء لأن الذين ينتخبونهم يفعلون ذلك لروابط القرابة أو الصداقة أو رجاء المنفعة كالحصول على وظيفة أو الفوز بأعمال المصلحة العامة بالغش والمحاباة والمواربة، أو بشراء الأصوات بالمال، ولذلك ينتظر أحط خلق الله، أي سماسرة الانتخابات، هذا الموسم بفارغ الصبر ليملأوا جيوبهم بالمال القذر، وكل هذه الممارسات ليست سوى دليل قاطع وبرهان ساطع على عقول عَفِنَة وأخلاق مريضة، فالمرض لا يصيب الأجسام فقط بل الأخلاق أيضا، غير أن أمراض الأجسام تفتك بمن تصيبه فقط بينما أمراض الأخلاق قد تفتك بشعوب بكاملها أحيانا، فالكثير من الإمبراطوريات تهاوت واندثرت عندما أصيبت في أخلاقها، ومنها الإمبراطورية البيزنطية، والإمبراطورية العثمانية التي قضى عليها شراء المناصب والمنافع المختلفة بالمال، ولقد صدق أحمد شوقي حين قال:
وإذا أصيبَ القومُ في أخلاقِهم       فأقِم عليهم مَأتماً وعويلا
ومن غرائب الأمور أن الجميع تقريبا يعرفون أدق التفاصيل عن تلك الصفقات وكيف موّلها المرشح لكي يدفع للسماسرة ولفلان وفلان مقابل الأصوات التي أوصلته إلى المنصب العزيز على قلبه، بينما هو يبدو واثقا بأن تلك الصفقات العفنة لم يشم رائحتها أحد.
بلغ عدد السلطات المحلية العربية التي حُلَّت بأمر من وزير الداخلية في الحقبة الأخيرة أربعا وعشرين سلطة، ومنها من تولت السلطة فيها لجنة معينة لمدة عشر سنوات، كمجلس «طلعة وادي عارة» الذي يضم القرى: مصمص، مشيرفة، زلفة، سالم والبياضة.  من الجدير بالذكر أن سلطة وزير الداخلية تكاد تكون مطلقة في ما يختص بالسلطات المحلية التي يتعذّر فيها على رئيس السلطة المحلية إدارة شؤون البلدة لافتقاره لتأييد غالبية أعضاء المجلس أو البلدية، مهما كانت دوافع الرئيس نبيلة وغاياته شريفة وأياديه نظيفة، لأن الغايات الشخصية والأسرية-العشائرية أو حب الانتقام من الرئيس هي التي تملي على بعض الأعضاء موقفهم فيؤدي ذلك إلى شلل السلطة وخضوعها التام لوزير الداخلية الذي يتخذ القرار بشأنها وبذلك تُلغى إرادة الأهالي وتصبح الانتخابات حبرا على ورق وهكذا تصبح الديمقراطية عندنا مأتما بدلا من عرس لأن ما انتخبناه كان المجلس العشائري  فيصدق فينا قول الشاعر:
وتفرّقوا شِيَعاً فكل قبيلة    منهم أمير المؤمنين ومِنبرُ
لكي نصبح شعبا بالمعنى العصري للكلمة علينا أن نضع نصب أعيننا ما كتبه محمود درويش: 
«سنصير شعبا حين ننبذ ما تقول لنا القبيلة».  
لكي نمارس انتخابات عصرية حضارية نظيفة وراقية علينا أن نقتدي بالأمم الراقية حيث يطرح المرشحون برنامجا يشتمل على الأهداف النبيلة التي سيعمل على تحقيقها إذا ما حاز على ثقة الناخب، وبناءً عليه يختار الناس المرشح الذي يرونه مناسبا لتحقيق آمالهم ومطامحهم دون صفقات سرية ودسائس ومناورات رخيصة وحقيرة، والذين يلجأون إلى تلك الممارسات هم فاسدون ومُفسِدون وفاشلون، ورغم أنهم قِلِّةٌ قليلةٌ لا تتجاوز الواحد في المائة من السكان لكنهم يدمرون المجتمع بسبب جبن ونفاق ومسايرة عامة الناس الذين لا يجرؤون على مصارحتهم برأي الناس فيهم ولكنهم يغتابونهم بأقذع الألفاظ في كل مناسبة وكل مجلس يخلو منهم، وإذا ما دخل أحدهم فجأة إلى أحد تلك المجالس ترى معظمهم يهش له ويرحب به بعد أن كان يسبه قبل لحظات، وهذا مما يجعلهم يتمادون في غِيِّهم وفسادهم وجرائمهم.  حالنا مع هؤلاء المفسدين حال الجسم مع الأورام السرطانية التي تفتك به إذا تجاهلها ولم يعالجها أو يستأصلها في الوقت المناسب.
من الجدير بالذكر أن جريمة المُفسِد الذي يشتري الأصوات بالمال أو الوظائف والمنافع الأخرى التي يَعِدُ بها الناخبين أعظم بكثير من جريمة الذين يعطونه أصواتهم طمعا بالمال أو الوظيفة أو المنافع الأخرى، لأنّ الذي يشتري الذِّمم هو المُبادِر إلى عقد تلك الصفقات الذميمة، وهو في الأصل إنسان قد غرق في الفساد حتى أذنيه، ولكن فِعلُهُ الذميم يفسد العديد من الناس فيكون السبب في تجردهم من أخلاقهم وكرامتهم وهكذا يستشري الفساد في المجتمع، وكل مجتمع فاسد يُحَوِّلُ حياة أهله إلى جحيم، لأن الأخلاق الشريفة هي الضمان الوحيد لبقاء المجتمعات وازدهارها، والأخلاق الفاسدة تُنهِكُها وتفنيها، ولذلك يجب على كل صاحب ضمير حي وكرامة لا تباع وتشترى، الامتناع عن التصويت لكل مرشح تاجر بالأصوات في الماضي أو عقد الصفقات المخزية مهما كان نوعها، لأنهم لا يؤتمنون على المصالح العامة.
أمر آخر جدير بالتنهويه، وهو أن المرشحين في المجتمعات الراقية يطرحون أمام الناخبين برنامجا يعرضون به بالتفصيل المشاريع والإنجازات التي يضعونها نصب أعينهم لتحقيقها خلال فترة ولايتهم إذا ما حازوا على ثقة الناخب، أما عندنا فلا نقرأ سوى شعارات براقة وعبارات طنانة لا تسمن ولا تغني من جوع، تصلح لكل زمان ومكان كخدعة بصرية أو ألاعيب بهلوانية تؤكد أن جعبتهم خاوية من الأفكار البناءة وهي مجرد استهتار بعقول الناخبين، تعدهم بالإنجازات والعطاء والتضحية دون أن يذكروا واحدة منها، ثم تمر السنوات الخمس ويكون الإنجاز الأهم أن جيب الواحد منهم احتشى بما يزيد على مليون ونصف مليون شاقل من الضرائب التي يدفعها المواطنون ثم نعود إلى جولة أخرى أسوأ من سابقتها لتُعرَض هذه المسرحية الهزلية في شوارعنا وساحاتنا وبيوتنا من جديد، والحال يزداد سوءاً من جولة إلى أخرى وأفق المستقبل يبدو مع كل موسم انتخابات أحلك من ذي قبل، فهل نتعظ؟

معليا في 27 أيلول 2013

عصام زكي عراف
















Saturday, 10 August 2013

رشيد خالدي يكتب عن الياس شوفاني

In Remembrance: Elias Shoufani, 1932-2013
Rashid I. Khalidi
Journal of Palestine Studies, Vol. 42, no. 1 (Spring 2013), p. 7

From the Editor

BEYOND ITS PERSONAL IMPACT for his family, friends, and colleagues, the passing of Elias Shoufani in Damascus earlier this year had a special meaning for all those who, over the past four decades, have been involved with research at the Institute for Palestine Studies (IPS).

For more than a generation, Elias Shoufani was the Arab world’s leading analyst of Israeli affairs. He possessed a rare level of understanding of Zionist ideology and of the Israeli state’s policies and strategic doctrines, and spread that knowledge widely through over a dozen books and monographs, scores of articles, and extensive lectures. He did this while living in exile through capitalizing on the unique perspective on Zionism and Israel gained from living his formative years and being educated as a Palestinian under the iron military rule of the new Israeli state in the first decades of its existence. He shared this background with a few others like Sabri Jiryis and Habib Qahwaji, who drew on their experiences to help Palestinians in the Diaspora obtain a better understanding of an Israel outside the personal experience of most of them.

Born in Mi’liya in the Galilee in 1932, Shoufani spent much of his life in opposition to the trends of his time, whether as a young man completing his secondary schooling and his undergraduate education (at the Hebrew University) in the institutions of the new Zionist state, or as a militant and activist who rejected many of the political formulas espoused by his Palestinian comrades in Beirut and Damascus, or as an intellectual, writer, and analyst challenging conventional wisdom.

In the early 1960s, Elias Shoufani travelled to the United States, where he obtained a PhD in Islamic studies from Princeton University and thereafter an appointment at the University of Maryland. Like others of his generation, including Hanna Mikhail (Abu ‘Umar), who was memorialized in issue 165 of this Journal, he could have taken the easy course of an academic career far from his homeland and its travails. Instead, like Mikhail, he chose to return to his own people, joining the ranks of the Palestinian Resistance in Lebanon in 1972, at a time when the conflict over the Palestinian presence there was about to explode. At the same time, he began working at IPS, supervising pioneering programs such as the daily translation of the Hebrew press and several other major research and translation projects dealing with Israel. He eventually became head of the IPS Research Department.

I met Elias at the Institute in the early 1970s and came into more regular contact with him when I joined the Research Department on a part-time basis in 1974, alongside my teaching at the Lebanese University and the American University of Beirut (AUB). We worked together in an extraordinary group that included the military expert Riyad Ashkar and AUB professor Marwan Buheiry (both deceased), as well as researchers like Camille Mansour, Ahmad Khalifa, Mahmud Soueid, Sami Musallam, and many others. This fruitful interaction continued until Elias left Beirut for Damascus in 1982 as part of the forced evacuation of the PLO from the city in the wake of the 1982 Israeli invasion of Lebanon. He continued to undertake research and writing projects for IPS thereafter from Damascus, where he lived for the rest of his life.

Elias Shoufani was a remarkable presence during the decade he worked at IPS in Beirut, animating all our discussions of its research agenda and of the complex Palestinian and regional political situation. His depth of knowledge of Israel was extraordinary. His complete mastery of the Arabic and Hebrew languages, as well as his extensive knowledge of the Qur’an and the Bible, gave him a deeper understanding of the modern Hebrew language than most other analysts, Arab or Israeli. Shoufani was a wide-ranging scholar, having written a dissertation, later published, on the wars whereby the early Islamic state was securely established in the wake of the death of the Prophet Muhammad. He was broadly read in European languages, as well as Arabic and Hebrew; his intellectual interests ranged far and wide. The focus of Shoufani’s scholarship and his political activism, however, was the struggle over Palestine unleashed by the rise of Zionism and the establishment of Israel over the ruins of Palestinian Arab society.

Shoufani’s insight into the ideology and the policies of the Likud government of Menachem Begin that came to power in Israel in 1977 was penetrating and accurate. Elias saw, as did few others at the time, the extent and full implications of the changes in the world view of the Israeli elite that would result from the systematic implementation over time of the “Greater Land of Israel” philosophy of Begin and his Revisionist Zionist followers. Like many others, I listened and learned, read and absorbed, as Shoufani developed his ideas in the years after Begin’s ascension to power. Little did I—or most others at the time—think that the rise of Likud and its maximalist ideology represented a fundamental and permanent change in the orientation of Israel. In fact, every Israeli government since 1977 has reflected to a greater or lesser degree the thinking of this powerful right-wing current in Zionism, which became the new Israeli mainstream after decades of the hegemony of Labor Zionism. In hindsight, it is now clear that the policies of Israel towards Palestine and the Palestinians over the last thirty-five-plus years in the crucial arenas of military occupation, colonial settlement, and all-encompassing security control were thoroughly changed by this seminal event, which Elias was one of the first analysts to understand and articulate fully.

In his numerous books and articles on this and related topics, Shoufani not only analyzed these seminal trends in Zionism and in the policies of successive Israeli governments. He also tried to explain to an often uncomprehending Palestinian and Arab audience how incongruous was the turn by the Arab States and the PLO towards a two-state solution, in light of these momentous shifts in Israel’s posture. Shoufani argued correctly that Israeli governments from that of Begin onwards were committed to keep what Revisionists called “Judea, Samaria, and the Gaza District” by virtue not only of greed for further territorial expansion or supposed “security” concerns. He saw that these governments would cling to these territories most importantly out of a messianic and deeply held ideological belief that they belonged exclusively to the Jewish people, who had a God-given right to settle without hindrance anywhere within them.

Against this background, Shoufani maintained that ostensibly “moderate” and “pragmatic” Palestinian and Arab strategies for dealing with Israel were increasingly unrealistic, and indeed unrealizable in terms of ending occupation and colonial settlement of what remained of Palestine and achieving Palestinian self-determination. He was therefore a scathing critic of the PLO’s move towards a negotiated two-state solution, but his critique was based not on his own ideological predispositions but rather on an acute assessment of what the Israeli leadership would and would not accept, and of what the Palestinians and Arabs must do to change that situation.

Elias Shoufani’s strong opposition before and after 1982 to the political line of the PLO leadership was thus fully grounded in his complete analytical clarity about the situation. This clarity enabled him to predict the dead end toward which these policies were leading long before the Oslo process revealed the same conclusions to many others. He saw, in other words, that because of their unswerving commitment to their “Greater Land of Israel” ideology, Begin and his ideological heirs who have dominated most Israeli governments since 1977 would never voluntarily accept Palestinian self-determination and statehood, or an end to occupation and to the unceasing expansion of colonial settlement throughout Palestine. In his view, only a fundamental change in the balance of forces in favor of the Palestinians, and a clear understanding of the obstacles to changing the status quo, would enable the transformation of that hard reality.

Elias Shoufani was in some sense a modern-day Cassandra, foreseeing a bleak future that others preferred to ignore or to pretend was not inevitable. The bitter outcome for the Palestinians of the Oslo process and of the creation of a Palestinian “Authority” that is fully subordinate to Israel in every way and largely serves Israel’s interests, and the growing hegemony of expansionist Likud ideology in Israel for the past thirty-five years have shown that his bleak vision was accurate. His passing is a great loss to our understanding of Israel and its policies, and has been keenly felt by all those who knew and learned from him over the years.

— Rashid I. Khalidi
 

Monday, 29 July 2013

تحالف الذئاب وتخالف العرب

تحالف الذئاب وتخالف العرب

نشرت هذا المقال في موقع عرب48 بتاريخ  13/11/2012  وقد رأيت من المناسب أن يطلع عليه القراء حيث أن ما  توقعته من إقدام بعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي على المطالبة برفع نسبة الاجتياز قد تحقق في هذه الأيام.
http://www.arabs48.com/?mod=articles&ID=95767

اتفق نتانياهو وليبرمان على التحالف لخوض الانتخابات القادمة بقائمة واحدة تضمن للفريقين الفوز بأكبر عدد من المقاعد بحيث يستطيعان الهيمنة على تركيب الحكومة الآتية وتنفيذ ما في جعبتهما من خطط لا تخفى على أحد، فالرجلان على وفاق تام في ما ينبغي لإسرائيل أن تكون عليه في سياستها الخارجية والداخلية على السواء، ولا يزيدان عن وجهين لعملة واحدة هي «عملة القوة».
هذه هي الديمقراطية، ومن حق كل حزب أن يختار الحليف الذي يراه مناسبا لتحقيق مآربه، وما يتبعها من مكاسب، توطد مكانته في حلبة الصراع بين الأحزاب المختلفة.
في كل موسم انتخابات ترتفع بعض الأصوات العربية تطالب بخوض الانتخابات بقائمة عربية موحدة، وحجتهم في ذلك أن المواطنين العرب، دون تمييز! يعانون من تجاهل الحكومات الإسرائيلية لحقوقهم كمواطنين، ويوردون من الأدلة والبراهين ما لا يخفى على أحد.
يقول الصحافي جاكي خوري في مقال له نشر في صحيفة هآرتس بتاريخ 27-10-2012 أن استطلاعا للرأي بين أصحاب حق الانتخاب العرب، يشير إلى أنّ ثلثهم سوف يمتنع عن التصويت لاعتقادهم بأن الأحزاب التي تخوض الانتخابات لا ترتقي إلى مستوى التحديات الذي تواجهها الجماهير العربية في إسرائيل، وإن جميعها منطوية على نفسها ولا تقوم بأي خطوات جدية ومخلصة لخوض الانتخابات في قائمة موحدة.
هل نلوم المواطنين العرب في إسرائيل، الذين يمتنعون عن التصويت امتعاضا ونفورا من التشرذم السائد في تمثيلهم؟
لنسأل أعضاء الكنيست العرب: 
هل الواحد منكم يمثل هؤلاء الذين صوتوا له فقط؟ فإذا كان الجواب نعم، فهل يستطيع أي واحد من هؤلاء الأعضاء أن يقول لنا ما هي المظالم وما هو الغبن الذي يعاني منه أشياعه فقط؟
هل هي البطالة؟ أم تدني التحصيل العلمي؟ أم تفشي استعمال المخدرات والعنف وجرائم القتل؟ أم التمييز العرقي في كل مجال من مجالات الحياة؟
أما إذا كان الجواب نفيا، أي أنه يمثل المواطنين العرب كافة ويهتم لمعاناتهم، فيكون كمن يعترف ضمنا أنه مسؤول عن التشرذم القائم.
وجه آخر للقضية يستحق الاهتمام:
من المعلوم أن نسبة الاجتياز المتدنية هي السبب الوحيد الذي يتيح للقوائم والأحزاب الصغيرة أن تخوض الانتخابات بنجاح.  لو ارتفعت نسبة الاجتياز من إثنين من المائة إلى أربعة من المائة من مجموع أصوات الناخبين، فما الذي ستفعله الأحزاب والقوائم العربية؟  عند إذن سيكونون مرغمين على الاتحاد، وإلا ضاعت جميع الأصوات أو معظمها سدى وارتفع عدد تمثيل الكتل الكبرى، وهذا سيكون يوم عيد لليمين لأنه يكون قد حظي بالكسب من وجهين: 
اختفت الوجوه العربية التي لا يرتاح لها من الكنيست وزاد من عدد مقاعده.
أما إذا اتحدت الأحزاب والقوائم العربية تحت سطوة الخوف من نسبة الاجتياز، فسوف نقول، وبحق: «مكره أخوك لا بطل»، والأسوأ من ذلك أن البعض سيقول، وبحق أيضا:
«لم يكن اتحادهم حبا في المصلحة العامة بل حبا في المصلحة الخاصة»
في استطلاع للرأي أجراه معهد «داحَف» قبيل فصح اليهود من العام المنصرم 2011 بطلب من حركة «إسرائيليون من أجل إنقاذ الديمقراطية»، تبين أن سبعين في المائة من المواطنين في إسرائيل يحبذون رفع نسبة الاجتياز في الانتخابات، لأسباب موضوعية منها:
حماية رئيس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة من ابتزاز الأحزاب والقوائم الصغيرة، مما يؤدي إلى تقليص عدد الوزراء واهتمام الحكومة بتنفيذ المشاريع الحيوية فقط، وفي ذلك توفير النفقات التي يفرضها الائتلاف مع تلك الأحزاب والقوائم .
تسهيل عمل الكنيست: حيث أن وجود الأحزاب والقوائم الصغيرة خارج الائتلاف، يؤدي إلى تضخم عدد القوانين التي تطرح على جدول عمل الكنيست، مما يهدر وقت أعضاء الكنيست ويعرقل عملها، فقد بلغ عدد القوانين المقترحة من النواب بشكل مستقل ما يقارب 12،000 خلال عشر سنوات، أقرت الكنيست عددا ضئيلا منها.
 بالنيابة عن الذين قرروا الامتناع عن التصويت، ولست منهم، بودي أن أرجو جميع أعضاء الكنيست العرب أن يشرحوا لنا في بيان مفصل في صحفهم ومواقعهم على الشبكة، ما الذي يحول بينهم وبين الاتفاق على خوض الانتخابات القادمة في قائمة واحدة.
وهاءنذا أختتم كلمتي هذه متسائلا ببيتين من قصيدة أحمد شوقي المشهورة:

إِلامَ الخُلفُ بَينَكُمُ إِلاما
                   وَهَذي الضَجَّةُ الكُبرى عَلاما؟
وَفيمَ يَكيدُ بَعضُكُمُ لِبَعضٍ
                   وَتُبدونَ العَداوَةَ وَالخِصاما؟

فهل تكرمون بجواب شاف؟

عصام زكي عراف 
معليا 
الجليل الغربي

Monday, 13 May 2013

وبعض القول تضليل وبهتان

وبعض القول تضليل وبهتان


في الثامن والعشرين من شهر آذار المنصرم نشر موقع عرب 48 وقائع ندوة سياسية دعا إليها التجمع الوطني الديمقراطي في سخنين،حيث اشترك فيها «العشرات من أهالي سخنين وحضور شبابي لافت» كما ورد في الخبر.
هل من العسير على السيد المحترم ربيع عيد، الذي نشر الخبر، أن يحصي عدد الذين حضروا الندوة استجابة لدعوة التجمع؟ إذا كان عدد سكان مدينة سخنين قد تجاوز السبعة والعشرين ألفا، فإن عدد الذين استجابوا للدعوة لم يتجاوز ثلث الواحد في المائة في أحسن الأحوال، هذا إذا كان عدد الذين حضروا يقارب التسعين فردا،  هل مثل هذا الحضور يعتبر نجاحا باهرا لمنظمي هذه الندوة السياسية؟  كم كان بودي أن تتسم أخبارنا بالدقة والأمانة.
والآن إلى كلمة أمين حزب التجمع السيد عوض عبد الفتاح:
عندما جاء على ذكر القوى السياسية التي بادرت ومهدت وعملت لتنظيم يوم الأرض، ذكر حركة الأرض وأتبعها بذكر الحزب الشيوعي مع اعتراف منه بالدور المركزي للحزب.  هذا غبن لا مبرر له،  كنت من الذين شاركوا واشتركوا في يوم الأرض الأول عام 1976 ومن الحق  والإنصاف أن نقول أن الاشتراك الواسع للجماهير العربية في البلاد في يوم الأرض كان بفضل الحزب الشيوعي وصحيفته الاتحاد التي كانت وسيلة الإعلام الوحيدة التي استنفرت الجماهير العربية وحثتها على الاشتراك، فلماذا إذن يأتي السيد عوض عبد الفتاح على ذكره في المقام الثاني؟ يعترف بدوره المركزي ويذكره بعد حركة الأرض، ويشير أيضا إلى قوى وطنية أخرى ساهمت في الإعداد ليوم الأرض دون أن يذكرها.  ترى من هي تلك القوى الوطنية الأخرى؟ ولماذا يجحد السيد عبد الفتاح فضلها ولا يذكرها بالإسم؟ أم أنها محاولة لا مبرر لها للانتقاص من فضل الحزب الشيوعي في النجاح الباهر في استقطاب الجماهير العربية في يوم الأرض الأول؟  إذا كان السيد عبد الفتاح من المؤيدين لمواقف حركة الأرض فهل هذا يعني ضمنا، أنه يؤيد دعوتهم لمقاطعة الانتخابات التي عمموها في بيان لهم قبل الانتخابات الأخيرة؟  من الجدير بالذكر أنني أظهرت زيف دعوتهم وبطلانها في مقال بعنوان "سيشكركم اليمين على حسن تعاونكم". 
ما معنى قول السيد عبد الفتاح أن الحزب الشيوعي كان «مسيطرا» على الساحة السياسية في ذلك الحين؟ هل هذا يعني أن الحزب كان يسوق المواطنين، من عرب ويهود، إلى صناديق الاقتراع بالعصي والأسواط؟ أم أنه كان يحشو جيوب الناس بالمال لشراء الذمم؟ أو لعله كان يعدهم بالمناصب التي تدر سمنا وعسلا وجاها زائفا؟ أم أن النقيض من ذلك هو الصحيح؟ ألم تحاول الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أن تفعل كل ما في وسعها باستعمال مؤسساتها المختلفة، واعتماد أساليب الترهيب والترغيب المتعددة لثني المواطنين العرب عن التصويت للحزب الشيوعي؟ ألم يتم إبعاد العديد من أعضاء الحزب عن قراهم ونفيهم إلى قرى بعيدة؟ كم من معلم فُصل من عمله لانتسابه أو لمجرد تعاطفه مع الحزب الشيوعي؟  ألم يتعرض الكثير من الشيوعيين للإقامة القسرية في قراهم ومدنهم؟ ألم يُحظر على الشاعر نايف سليم تشييع جثمان كريمته وفاء إلى مثواها الأخير الذي يقع على بعد عشرات الأمتار فقط خارج حدود قريته البقيعة, لأنه كان يخضع للإقامة القسرية التعسفية؟
كان للحزب الشيوعي الفضل في إرسال ما يقرب من ألف وثمانمائة من الطلاب العرب في إسرائيل، والمئات من أشقائنا من طلاب هضبة الجولان، للدراسة في الاتحاد السوڤييتي والدول الاشتراكية الأخرى في شرق أوروبا وألمانيا الشرقية، على نفقة تلك الدول، فهل هناك فضل أكبر وأشرف من هذا؟  كان لهذه البعثات خير الأثر في حياتنا من جميع النواحي، كما أنها اضطرت الجامعات في إسرائيل لفتح أبوابها لاستقبال المزيد من الطلاب العرب وذلك خشية التحاقهم بجامعات الدول الاشتراكية ثم عودتهم إلى البلاد كدعاة حق للمبادئ الاشتراكية وهذا ما كانت تخشاه السلطة في إسرائيل.
يذهب السيد عبد الفتاح إلى القول أن الحزب الشيوعي في تراجع لأنه آثر الشراكة اليهودية على الشراكة العربية، هذا محض افتراء أو جهل بطبيعة الأحزاب الشيوعية في جميع أنحاء العالم، لأنها تدعو إلى وحدة النضال لجميع القوى العاملة ضد الاستغلال والظلم الذي تمارسه الرأسمالية في صورها المختلفة من شركات عالمية أو محلية كبرى، أو صغار الرأسماليين على اختلاف طبقاتهم، لذلك من الطبيعي أن ينضوي تحت لواء هذا الحزب، اليهودي والعربي لأنه حزب أممي منذ نشأته وكان شعاره دائما: «يا عمال العالم اتحدوا».  هل يمكن أن ننكر ما للشيوعيين واليساريين اليهود من فضل في النضال من أجل الفلسطينيين عامة والمواطنين العرب في إسرائيل خاصة، في الماضي والحاضر؟ لماذا يجب أن نستثني المواطنين اليهود من النضال مع العرب من أجل العدالة والحق؟ 
لو أقام فريق من الإخوة اليهود حزبا يدعو إلى حل عادل للقضية الفلسطينية وإنصاف المواطنين العرب في إسرائيل، فهل من عار يلحق بالمواطن العربي الذي ينضم لمثل هذا الحزب؟ لماذا إذن يعتبر السيد عبد الفتاح وجود المناضلين اليهود في الحزب الشيوعي مَذمَّة لأعضاء الحزب من العرب؟ نحن بأمس الحاجة لمزيد من اليهود الذين يرفعون أصواتهم ضد المظالم التي ارتكبت وترتكب بحق الفلسطيني في داخل البلاد وخارجها.
يقول السيد عبد الفتاح:  «نريد لجنة المتابعة مؤسسة وطنية قوية، وأن يكون هناك برلمان عربي في الداخل ينتخب بشكل مباشر من الجمهور، ليكون له شرعية، كي نكون على قدر التحديات التي تواجهنا كأقلية قومية».
هذا استخفاف بعقول الذين حضروا الندوة وعقول القراء الذين قرأوا كلماته في وسائل الإعلام! ألا يعلم الأمين العام المحترم أن المؤسسات التي تتكون منها الأنظمة الديمقراطية هي ثلاث لا غير: التشريعية والتنفيذية والقضائية وبها تُصَرَّفُ شؤون البلاد والمواطنين، ما هي الصلاحيات التي تملكها لجنة المتابعة؟ هل هي تشريعية، أم تنفيذية، أم قضائية؟ ما هي «القوة» التي يريدها لها، آمل أن يفصل لنا ذلك.
أما البرلمان العربي الذي يدعو له السيد عبد الفتاح فهو أمر في غاية العجب ومنتهى الاستهتار بعقولنا نحن العرب في إسرائيل! أو أن حضرته يجهل معنى وأبعاد ما يتفوه به!
البرلمان أو مجلس الشعب يكون للدول ذات السيادة أو لولايات في اتحاد فدرالي أو مقاطعات تنضوي تحت راية دولة ذات سيادة ويقوم البرلمان بسن القوانين التي يتقيد بها المواطنون والسلطات في ذلك الكيان، بما في ذلك السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وهذا هو واقع الأمر في إسرائيل.
كان بودي أن يبيّن لنا السيد عبد الفتاح ما هو الكيان ذات السيادة الذي يمكن للمواطنين العرب الانضواء تحت لوائه؟  أين حدوده؟ ما هي مساحته؟ هل سيكون له جيش خاص به؟ هل ستكون له شرطة أيضا؟ ما هو نشيده الوطني؟ من هي الدول التي ستعترف به يا ترى؟ من سيعين السفراء لدى تلك الدول؟ وماذا ستكون مهمتهم؟ من أين تأتي سلطته التنفيذية التي تضمن التقيد بتلك القوانين التي يسنها ذلك البرلمان الوهمي؟ من ذا الذي سيعيّن قضاته ومن الذي سيدفع أجرة العاملين في «القطاع العام» المزعوم؟ من أين ستأتي الأموال اللازمة لإدارة هذا الكيان؟ هل سيكون لنا وزارة مالية لجباية ضرائب من المواطنين العرب فقط؟ أي قانون يخول هذا الكيان الوهمي جباية الضرائب؟ وإذا رفض المواطن الدفع، فمن ذا الذي سيرغمه على ذلك؟ 
سأكتفي بهذا القدر من الأسئلة، رحمة بالقارئ، عسى أن يجود السيد عبد الفتاح بإجابات، عَجِز عقلي المحدود عن الإحاطة بكنهها.
من المؤسف أيضا، افتخار السيد عبد الفتاح بإنجازات حزبه في الانتخابات والشماتة التي يبديها للهزيمة التي لحقت بالحزب الشيوعي.  كنت قد نشرت مقالا بعنوان «لغة الأرقام ولغة الأوهام» وتناقلته بعض المواقع والصحف أبيِّن فيه بما لا يدع مجالا للشك أن جميع القوائم والأحزاب العربية مُنِيَت بالإخفاق في الانتخابات الأخيرة، حيث أن الارتفاع في عدد الأصوات لم يكن سوى الزيادة الطبيعية في عدد المصوتين وأن نسبة الذين أحجموا عن التصويت بين المواطنين العرب زادت عن الانتخابات السابقة، والأسوأ من ذلك أن نسبة الأصوات العربية التي حصلت عليها القوائم والأحزاب العربية في انتخابات سنة 2009 كانت 82٪ ، وقد انخفضت إلى 77٪ في انتخابات 2013 ، وهذا أمر في غاية الخطورة ويبدو أنه لم، ولن يحظى بالاهتمام المناسب، مع العلم أن الكاسب الأكبر من ذلك كانت أحزاب اليمين. وهذا دليل قاطع على إخفاق جميع القوائم والأحزاب العربية دون استثناء، في الانتخابات الأخيرة.  لا مجال للتباهي والاختيال بإنجاز لم يكن إلا في الأوهام!
كانت نسبة الاجتياز في انتخابات الكنيست واحد في المائة من الأصوات الصالحة ثم ارتفعت إلى اثنين في المائة، وهناك من يطالب بمضاعفتها مرة أخرى لتصبح أربعة في المائة لأسباب تبدو وجيهة للغاية، كما أنها تخدم مصالح الأحزاب الكبرى، وعندئذ لا مناص للأحزاب والقوائم العربية من خوض الأنتخابات في قائمة واحدة وإلا زالت عن الخريطة السياسية في إسرائيل. فلماذا إذن ينقضّ العربي على أخيه العربي (ولا أستثني أحدا) بمخالبه وأنيابه بدلا من البحث عن سبل التعاون من أجل مجابهة التحديات والأخطار التي تواجهنا جميعا؟ 

عصام زكي عراف
معليا
الجليل الغربي 

Saturday, 6 April 2013

البحث عن المادة الخفية في الكون

معرفة بدايات الكون تخبرنا عن نهايته

تمهيد

نحن نعيش على الكرة الأرضية، التي تدور حول الشمس وهي التي تزوِّد الأرض بالطاقة التي كانت السبب في نشوء الحياة واستمرارها عليها حتى اليوم. يقدر العلماء عمر الأرض بأربعة بلايين ونصف البليون سنة  وذلك بواسطة دراسة عمر أقدم الصخور على سطحها. أما عمر الكون الذي نعرفه فإنه يتراوح ما بين تسعة إلى أربعة عشر بليون سنة، يختلف باختلاف النظريات المستعملة في الحساب.
الشمس وما يدور حولها من كواكب وكويكبات ومذنبات وغيرها، هي جزء من مجرة "درب التبانة” التي تحتوي على ما يقرب من مئة بليون نجم أي شمس، بأحجام متفاوتة وكل واحدة منها عبارة عن "موقد” يشتعل باستمرار، وقوده الوحيد هو عنصر الهيدروجين.  عندما يتوفر الضغط ودرجة الحرارة اللازمة تتحد ذرتان من الهيدروجين فتكونان ذرة واحدة من عنصر الهيليوم بالإضافة إلى كمية من الطاقة نتيجة ذلك  الالتحام وذلك لفقدان جزء من الكتلة، أي أن كتلة ذرة الهيليوم الناتجة عن التحام ذرتين من الهيدروجين أقل من مجموع كتلتي ذرتي الهيدروجين قبل التحامهما. وقد كان العالم ألبرت أينشتاين أول من حسب الطاقة الناتجة عن تحول الكتلة إلى طاقة في معادلته الشهيرة:
E = mc2
 أي أن الطاقة الناتجة E تساوي الكتلة m مضروبة بتربيع سرعة الضوء c

يقدر عدد المجرات من الأرصاد والحسابات التي قام بها علماء الفلك بمئة بليون مجرة.  تدور كل مجرة حول مركزها، كما تدور كل شمس فيها حول مركزها أو حول مركز الكتلة المشتركة لها ولشموس أخرى مجاورة أو كواكب تدور حولها.  لنأخذ مثلا القمر الذي يدور حول نفسه ويدور حول الأرض التي تدور حول نفسها أيضا (وتتأرجح في الوقت ذاته) وتدور حول الشمس مع ما ذكرنا من توابع للشمس، والشمس تدور حول نفسها وتدور مع جميع توابعها حول مركز المجرة مع المئة مليون شمس وتوابعها التي تتكون منها المجرة. 

لم يمض سوى أربع سنوات من الوقت الذي اكتشفت فيه المجرات في منتصف العشرينيات من القرن العشرين بفضل العالم الأمريكي إدوين هََبِلْ ومجموعة من زملائه، حتى اتضح أن تلك المجرات تبتعد كل واحدة منها عن الأخرى، أي أن الحيِّز الذي يقع بين المجرات يتسع باستمرار وكأن المجرات تقع على سطح كرة مطاطية تنتفخ دون توقف.
التفسير الوحيد لهذه الظاهرة هو أن بداية الكون كما نعرفه اليوم كان نتيجة لانطلاق جميع المجرات من نقطة واحدة في جميع الاتجاهات في لحظة ما.  بعبارة أخرى:  جميع المادة الموجودة في الكون كانت تنحصر في حيز ضيق حجمه يقترب من الصفر، وهذا يعني أن كثافة المادة في تلك اللحظة كانت تقترب من اللانهاية.  بعد الانفجار تناثرت المادة الموجودة في ذلك الحيز الضئيل في جميع الاتجاهات وتكونت منها في ما بعد المجرات على كل ما فيها. 
السؤال الذي يحاول العلماء الإجابة عليه منذ أن انتشرت نظرية الانفجار الكبير هو:
ما هي الجسيمات الأولية التي كانت تتكون منها المادة في ذلك الوقت؟
الجواب على هذا السؤال قد نستطيع الحصول عليه إذا ما استطعنا أن "نفتت” أحد الجسيمات الثلاثة التي تكون "اللبنات” التي تكونت منها جميع العناصر المعروفة وهي: النيوترون والبروتون والإلكترون.  الوسيلة الوحيدة التي تتيح ذلك هي الوسيلة ذاتها التي نستعملها في تفتيت المواد في حياتنا اليومية، أي طرقها بمطرقة أو إكسابها سرعة كافية تجعلها تتفتت عند ارتطامها بكتلة أخرى.  لو أخذت في يدك كرة من الزجاج أو الرخام وقذفت بها إلى كومة من كريات مشابهة بالسرعة اللازمة التي تعطيها الطاقة اللازمة للتغلب على قوة التماسك أو قل التجاذب بين جزيئات الكرة، سوف تتفتت الكرة إلى شظايا.  من الواضح أن عدد الشظايا يكون أكبر كل ما كانت سرعة الكرة أكبر.
هذا ما يحاول العلماء تحقيقه في المركز الأوروبي للأبحاث النووية حيث يقومون بدفع البروتونات بواسطة مجال كهربائي وحصر مسارها في داخل أنبوب فارغ بواسطة مجال مغناطيسي، لتعجيلها وإكسابها سرعة كبيرة تقترب من سرعة الضوء فتدور في المسار الدائري الذي يبلغ طوله سبعة وعشرين كيلومترا أحد عشر ألف مرة في الثانية الواحدة، عندئذ تكون كتلة كل بروتون قد بلغت سبعة آلاف ضعف كتلته عند بداية حركته.  (من الجدير بالذكر أن الكتلة تزداد بازدياد السرعة وهذا أحد اكتشافات أينتشتاين أيضا، ولذلك من المستحيل أن تتحرك كتلة بسرعة الضوء لأن ذلك يعني بلوغ الكتلة مقدار اللانهاية حسب المعادلة النسبية المعروفة).  
يقوم الجهاز آنيا بدفع مجموعتين من البروتونات واحدة في اتجاه حركة عقارب الساعة وأخرى في الاتجاه المعاكس وبواسطة التحكم في مسار كل مجموعة تدفع المجموعتان إلى نقطة محددة حيث تصطدم البروتونات بسرعة تساوي ضعف سرعة كل منهما. (لإيضاح ذلك نقول أنه لو اصطدمت سيارتان تسير كل واحدة منهما بعكس اتجاه الأخرى بسرعة ستين كيلومترا في الساعة، فإن هذا يشبه تماما اصطدام سيارة تسير بسرعة مئة وعشرين كيلومترا في الساعة بسيارة واقفة)
لإبقاء البروتونات في مسارها الدائري لا بد من توفير مجال مغناطيس يتعامد مع اتجاه حركة البروتونات وهذا يحتاج إلى تيار كهربائي مقداره إثنا عشر ألف أمپير ولا يتيسر ذلك إلا بتخفيض درجة حرارة "الأسلاك” إلى درجة قريبة من درجة الصفر المطلق بحيث تصبح عديمة المقاومة لمرور التيار الكهربائي فيها للحؤول دون ارتفاع درجة حرارة الموصلات في الكهرومغناطيسات.  لا بد من التنويه أن الأنابيب التي تتحرك فيها البروتونات تكون مفرغة تفريغا كاملا.
أثيرت إشاعات عن "خطورة” تلك التجربة تشهد للذين أثاروها بعدم إحاطتهم بما يحدث في هذه التجربة الفريدة.  كل طالب أنهى الثانوية في القسم العلمي يستطيع أن يحسب الطاقة الناتجة عن تصادم البروتونات بهذه السرعة وذلك باستعمال معادلة أينشتاين.  إنها لا تزيد عن الطاقة الناتجة عن تحول أربعة عشر ألفا من البروتونات إلى طاقة وهي تزيد قليلا عن جزئين من مليون من "جول” بحيث لا يوجد كائن حي يستطيع أن يشعر بها في أي حال من الحالات ولو كان من أصغر الحشرات!
أما عن "الثقوب السوداء” التي قد تنتج فإنها أيضا من الصغر بحيث لا يكون لها أي تأثير وقد لا يستمر وجودها لأكثر من جزء من بليون من الثانية.
أما "الشظايا” التي ستتطاير نتيجة لتصادم البروتونات فهي الجسيمات التي يتكون منها كل بروتون فإن العلماء يتوقعون الحصول على الجسيمات الأولية التي كانت تتكون منها مادة الكون برمته عند حصول الانفجار الكبير ولا بد أنها تختلف في ماهيتها عما تسنى لنا اكتشافه حتى اليوم.  

قصة الكتلة "الخفية” والاحتمالات الثلاث

والآن إلى جانب آخر عظيم الأهمية في هذه التجربة وإن كانت نتائجه على كوكبنا وعلى الحياة فيه لن تحدث إلا بعد البلايين العديدة من السنين!
قلنا سابقا أن المجرات تبتعد عن بعضها بسرعة والسؤال هو: هل ستستمر المجرات في حركتها دون توقف؟ أي أن الكون سيستمر في الاتساع، أم أن سرعتها تقل باستمرار نتيجة لقوة الجاذبية بين المجرات بحيث سوف تتوقف في لحظة ما في المستقبل ثم تبدأ في التسارع باتجاه المركز الذي انطلقت منه لتتحد مرة أخرى وتكون كتلة واحدة تعود وتنفجر بانفجار عظيم آخر وهكذا دواليك؟  أم أنها ستصل إلى نقطة تكف فيها عن الحركة وتبقى ساكنة إلى الأبد؟
الجواب على هذه الأسئلة يتطلب معرفة كمية المادة والطاقة الخفية الموجودة في الكون.  يعتقد بعض العلماء أن كمية المادة التي رصدناها حتى اليوم لا تتجاوز الخمسة في المائة من المادة والطاقة الموجودة في الكون دون أن يقوم حتى اليوم دليل قاطع على ذلك.  من أهم أسباب عجزنا عن معرفة كمية المادة الموجودة في الكون هو جهلنا الكامل في الوقت الراهن لطبيعة مجال الجاذبية وأمواج الجاذبية وسرعتها، بخلاف معرفتنا شبه الكاملة للحقول الكهربائية والمغناطيسية.
قد تساعدنا هذه التجربة في إماطة اللثام عن بعض جوانب مجال الجاذبية، وإذا حدث ذلك فلا شك أنه سيكون أهم اكتشاف منذ الاكتشافات الكبرى في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

أرقام ذات صلة

يشارك في الأبحاث 2100 باحث من 35 دولة وأكثر من 180 معهد أبحاث
تكاليف إقامة المشروع قاربت ستة بلايين يورو 
درجة حرارة الموصلات في المغناطيسات  271.3  درجة مئوية تحت الصفر
الضغط في داخل أنابيب التسارع أقل من عشر تريليون ضغط جوي
عدد المغناطيسات 9300
عدد الاصطدامات في كل ثانية  600 مليون
درجة الحرارة الناتجة عن تصادم البروتونات تزيد بمئة ألف مرة عن الحرارة في داخل الشمس التي تزيد على 13 مليون درجة مئوية  
ثمن الكهرباء المستهلكة في السنة يقرب من عشرين مليون يورو
لمشاهدة عرض مبسط لعمل المسارع إذهب إلى الموقع التالي

http://kalyanb4u.wordpress.com/2008/09/13/lhc-animation-of-proton-proton-collision-experiment/