Thursday, 10 September 2015

من الذي يرعى الإرهاب؟

من الذي يرعى الإرهاب؟


من الذي يرعى الإرهاب؟
حملة الحرب على الإرهاب التي أطلقتها إدارة الرئيس جورج بوش الإبن سنة 2001 أخذت تتعرى من الأقنعة التي نسجتها حولها أجهزة الإعلام المأجورة والمتحالفة مع المصالح المستفيدة من هذه الحرب.  من الجدير بالذكر أن التعبير في حد ذاته لا معنى له لأن كلمة إرهاب في اللغة الإنچليزية تعني استعمال العنف والتهديد لتحقيق أهداف سياسية، فهي إذن وسيلة أو خطة وهل يعقل أن تحارب خطة أو وسيلة؟ قد تحارب شخص أو مؤسسة أو قبيلة أو قرية أو دولة ولكن كيف تحارب خطة أو وسيلة؟   
في الأول من حزيران 2015 أعلن المدعي العام البريطاني في المحكمة المركزية أنه لم يعد هناك مجال لإدانة السويدي الجنسية بِرلِن چِلْدو المتهم بالقتال إلى جانب المسلحين ضد النظام في سوريا بعد أن اتضح أنّ الاستخبارات البريطانية كانت تزوِّد بالسلاح تلك المجموعات التي كان برلن يشاركها القتال.
من الواضح أن المدعي العام قرر إسقاط التهمة بعد أن ثبت أن الاستخبارات البريطانية كانت تسلِّح المجموعات ذاتها التي التحق بها برلن مما جعل محامي الدفاع يقول أن الاستمرار في المحاكمة يمثل “إهانة للعدل” لوجود العديد من الأدلة بأن الدولة البريطانية كانت  توفّر “الدعم الواسع” لجماعات المعارضة المسلحة في سوريا.
لم ينحصر الدعم الواسع للمسلحين في سوريا بتقديم الأسلحة “الغير فتاكة” فحسب, كالملابس الواقية والمركبات العسكرية، كما تفاخرت الحكومة البريطانية، بل شمل أيضا الإمدادات الميدانية والتدريب والسلاح على أنواعه على نطاق واسع. 
أشارت التقارير إلى أنّ جهاز الاستخبارات البريطاني إم آي 6 تعاون مع جهاز الاستخبارات الأمريكي سي آي إيه بتنسيق تام لنقل كميات كبيرة من مختلف الأسلحة من مخازن الجيش الليبي إلى المسلحين في سوريا بعد سقوط نظام القذافي سنة 2012 .
قبل أسبوعين من إلغاء التهم الموجه إلى برلن حكم القضاء البريطاني على أنيس سردار بالسجن مدى الحياة لأنه حارب قوات الاحتلال الأميركية-البريطانية في العراق سنة 2007 رغم أن القانون الدولي ومعاهدة جنيڤ لا تعتبر مقاومة الاحتلال الغير مشروع جريمة يعاقب عليها القانون، بين ما الوزراء الذين اتخذوا قرار الغزو الغير شرعي والعسكريون الذين نفذوه ظلوا بمنأى عن المقاضاة، لماذا؟ لأن تحديد من هو المعتدي ومن هو الضحية أصبح يخضع لوجهة النظر وليس للمعايير النزيهة، إرهابي الأمس في نظر أميركا وحلفائها هو صديق اليوم، يصنّفون الناس حسب أهوائهم ويجنّدونهم لكي ينفّذوا مآربهم المعلنة والخفية.
عادت أميركا وحلفاؤها من الجو إلى ساحة المعركة في العراق وسوريا تحت ذريعة ضرب قوات الخلافة الإسلامية وجبهة النصرة المنبثقة من تنظيم القاعدة (الذي جاء به الغزو الأمريكي-البريطاني إلى العراق) بعد أن اقتطعت أجزاء كبيرة من البلدين ومارست من الجرائم ما تقشعر له الأبدان، غير أن من الواضح أن هذه الحملة من الجو لم تحل دون احتلال جنود الخلافة المزيد من المدن والقرى في العراق وسوريا كمدينتي الرمادي وتدمر وغيرهما.
مؤخرا، كشف النقاب عن أحد تقارير الاستخبارات الأميركية الذي صدر في شهر آب 2012 الذي يتوقع بل ويرحب بإقامة ولاية سلفية في شرق سوريا وبإنشاء دولة إسلامية بزعامة القاعدة في سوريا والعراق.  ما ورد في تقرير وكالة استخبارات الدفاع الأميركية يتعارض كليا مع مزاعم الدول الغربية في ذلك الوقت، لأنه يشير بشكل واضح إلى أن السلفيين من أعضاء القاعدة وحلفائهم هم الذين يقودون الثورة  في سوريا وأن الدول الغربية ودول الخليج وتركيا تقدم لهم الدعم اللازم للاستيلاء على شرق سوريا.  ثم يمضي التقرير فيقول في هذا السياق: “هذا بالتحديد ما يريده الأطراف الذين يدعمون المعارض ألا وهو عزل النظام السوري الذي يعتبرُ العمق الاستراتيجي للتوسع الشيعي العراقي-الإيراني في المنطقة.
ما حدث بعد سنتين من كتابة التقرير المذكور أعلاه يثبت أنه كان المصباح الذي سارت على هديه سياسة أميركا وحلفائها رغم الجهد الكبير الذي بذل في صوغه بأسلوب ملتوٍ وغامض، وخلاصته أن الولايات المتحدة وحلفاءها يقبلون بدولة إسلامية سنّية من نوع ما لتكون حاجزا بين شيعة العراق وإيران وبين الدولة السورية رغم ما فيه من خطر على وحدة العراق لكي تبقى سوريا ممزقة وضعيفة.
هذا لا يعني بالضرورة أن الدولة الإسلامية ولدت من رحم الولايات المتحدة لكن اعتراف نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في السنة الماضية بأن دولا خليجية حليفة ساهمت في إقامتها هو خير برهان على مباركتها لتلك الجهود.
لم يكن هناك وجود للقاعدة في العراق قبل الغزو الأميركي-البريطاني سنة 2003 ولكن من المؤكد أن الولايات المتحدة سخّرت وجود الدولة الإسلامية ضد قوى أخرى في المنطقة كوسيلة لتزيد من نفوذ الغرب وهيمنته على مصائر شعوب المنطقة.
تغيرت حسابات أميركا عندما بدأت الدولة الإسلامية بقطع رؤوس الغربيين وارتكاب الفظائع ونشرها في وسائل الإعلام المرئية ولذا رأينا أن دول الخليج أخذت تدعم فئاتا أخرى من المسلحين كجبهة النصرة مثلا.  مغازلة الحركات الإسلامية الجهادية ودعمها ثم إظهار الأسف والندم ليس جديدا في سياسة الولايات المتحدة، فقد سبق أن فعلت ذلك في أفغانستان في بداية الثمانينيات من القرن الماضي حين كانت القاعدة الإبن المدلل للسي آي إيه لحملها السلاح ضد النظام الأفغاني المدعوم من الاتحاد السوڤييتي في ذلك الوقت. مثل هذا النمط أعيد استخدامه بعد غزو العراق عندما قام الجيش الأمريكي بقيادة الجنرال پِتريئوس بإثارة الحرب القذرة وذلك بإنشاء فرق الموت للقضاء على المقاومة وإذكاء نار الفتنة الطائفية على غرار ما فعلته أميركا في إلسيلڤادور من قبل.
الخطة ذاتها نُفِّذت في ليبيا عندما قام حلف شمال الأطلسي بالمساعدة في القضاء على نظام القذافي وكانت من نتيجة ذلك أن الدولة الإسلامية استطاعت أن تسيطر على العديد من المناطق ومنها على مدينة سرت وهي مدينة معمر القذافي.
الممارسة الاستعمارية التقليدية “فرِّق تَسُد” هي ما يميّز سياسة الولايات المتحدة وحلفائها في أتون الشرق الأوسط المستعر بفضل “نخوتهم المفرطة”، يقذفون قنابلهم على رأس بعض الفئات المسلحة ويدعمون فئات أخرى: 
التعاون مع إيران الشيعية ضد الدولة الإسلامية في العراق، يقابله تأييد للسعوديين في حربهم ضد الحوثيين الشيعة في اليمن...
مهما قيل عن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، فإن من الواضح أنها ترغب في إقامة كيانات هشة هزيلة في سوريا والعراق. والأمر كذلك فليس من المعقول أن تساهم الولايات المتحدة وحلفاؤها في هزيمة الذين احتضنتهم لسنوات طويلة وساعدت على استفحال أمرهم كما نراه اليوم.
التدخل العسكري الأمريكي على مدي عقود طويلة لم يجلب لسكان الشرق الأوسط سوى الفتن والتمزق والدمار، الخلاص لن يأتي سوى من شعوب المنطقة ذاتهم وليس من الذين حضنوا الجراثيم.  من كان السبب في الدمار لن يكون المبادر للعمار.  
نقله عن صحيفة الچارديان البريطانية مع بعض التصرف:
عصام زكي عراف

Thursday, 27 August 2015

جمعية تعاونية حقا؟

جمعية تعاونية حقا؟

إثر افتضاح العلاقة بينه وبين مونيكا لوينسكي تعالت الأصوات في نهاية سنة ١٩٩٨ تطالب الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بالاستقالة. أذكر جيدا أنه قال في كلمة وجهها إلى الشعب الأمريكي:
“إن ما حدث بيني وين مونيكا هو بيني وبين أسرتي وبيني وبين ربي، أنا لن أتخلى عن مسؤولياتي كرئيس وسأظل في مكاني في البيت الأبيض مقيما على خدمتكم والعمل من أجلكم”.
هكذا يفهم رئيس أعظم دولة في العالم معنى رئاسته: “خدمة الجمهور”.
أذكر جيدا أيضا أن أحد الشبان اللبنانيين في سيدني انتُخب رئيسا لجمعية المهاجرين من قريته ولا شأن يذكر لتلك الجمعيات سوى دعوة الأعضاء لحفلة سنوية يجلسون فيها معا يأكلون ويشربون.  عندما التقيت بوالده الذي تعرفت عليه من قبل قال لي وهو يكاد يرتفع شبرا فوق الأرض وكأنه يزفُّ لي خبرا في غاية الأهمية:
“هل تعلم أن إبني جورج انتخب رئيسا لجمعية القرية؟”
إبنه جورج إنسان طيّب القلب ومهذب جدا (ومحدود المعرفة جدا أيضا) يعمل سائق شاحنة عند إحدى الشركات (ولا ضير في ذلك أبدا).
تساءلت في سرّي:
ما الذي حمل هذا الرجل لأن يزهو بانتخاب ولده رئيسا لجمعية لا شأن لها؟
تذكرت حينئذ أبياتا من قصيدة حافظ ابراهيم “لا تلم كفي إذا السيف نبا” يقول فيها وهو ينعي حال أمته العربية:
أمّة قد فتَّ فى ساعدها *** بغضها الأهل و حبّ الغربا
تعشق الألقاب فى غير العلا *** و تُفدّى بالنفوس الرتبا
لعلّه يعتقد أن ابنه جورج أصبح منذ انتخابه سيّدا لقومه يستحق التبجيل والتوقير ومكانه في صدر المجالس؟  
هذه هي عقولنا المحنّطة منذ الأزل، نظن الألقاب ترفع من قدرنا وتجعلنا فوق القانون وتعطينا الحق في أن نهتك جميع الأعراف ونستهتر بالآخرين وبالمال العام والخاص أيضا.
 كتبت في 19-08-2015 عن الأنابيب التي طرحتها جمعية الفردوس في معليا على جانب الشارع وما زالت مطروحة حتى صباح هذا اليوم، بعد أن امتنع فخامة الرئيس المبجل جورج يوسف نقولا عن الرد على اتصالاتي التليفونية المتواصلة لعدة أيام لأنه يعتقد أن عصام عراف ليس رئيس مجلس ولا رئيس عصابة ولا شيخ قبيلة ولا “خواجا” ولذلك فليذهب هو وزيتونه إلى الجحيم مع أن كل ما يلزم لمد الأنابيب هو استئجار جرار كبير وشاحنة صغيرة وما أكثرها في هذا الأيام، ولو كان الأمر بيدي لكانت الأنابيب قد مُدَّت منذ زمن بعيد فقد تعهدتُ بتقديم قرض بدون فائدة للجمعية لشراء الأنابيب عندما شكا إلي جورج من عدم توفر المال اللازم ولكن يبدو أنه لم تكن هناك حاجة لذلك.  
حضرته يعتقد أنه الخليفة الذي بايعه المساهمون على السمع والطاعة وأن في يده الأمر والنهي وأنه مطلق اليد في أموالهم ومصالحهم فالذي يحظى بعطف ظل الله على الأرض سلطان البرّين وخاقان البحرين وخادم الحرمين، السلطان ابن السلطان، يحصل على مبتغاه في أسرع وقت أما بقية “الرعية” فإنها تكون “أسقيك بالوعد يا كمون”.
والحالة هذه لم يبق أمامي سوى اتخاذ الإجراآت القانونية المتاحة لمقاضاة رئيس الجمعية على هذا التقصير الفاضح لأنه وعدني بلسانه في حينه أن يصل الماء إلى الأرض حتى منتصف شهر أيار.
سؤال آخر لا بد منه: ما رأي هؤلا الذين انتخبوا هذا الإدارة.
جوابهم: ما دامت هذه الإدارة من “جماعتنا” فنحن نبارك كل من يباركها ونلعن كل من يلعنها، لأن “جماعتنا” فوق النقد وفوق الاتهام ولتذهب المصلحة العامة إلى الجحيم!
حتى اليوم لم أسمع ولم أقرأ كلمة واحدة يشرح فيها سعادة الرئيس سبب التأخير والتقصير لأنه يعتقد أن عصام عراف ونايل عساف وأشقائه وفادي عساف ودانيال عساف وغيرهم ممن دفعوا ثمن الأسهم ليسوا سوى “رعايا” عند جلالته ولا يستحقون حتى الإجابة من عطوفته.
الرئيس الأمريكي يقول أنه خادم الشعب، أما رئيس الجمعية التعاونية في معليا فهو سيد الشعب. “ من سخرية القدر أننا نسميها تعاونية”.

سأتوجه اليوم إلى أحد المحامين لاتخاذ الخطوات القانونية المتاحة ضد هذا الاستهتار والإهمال.

يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.

أرجو الجميع تعميم هذه المادة نشرا وشفهيا لتصل إلى جميع المواطنين في معليا، مع جزيل الشكر لكل من يستجيب.

Friday, 5 September 2014

أخطاء وافتراآت مصطفى يوسف اللداوي

أخطاء وافتراآت مصطفى يوسف اللداوي.




كتب مصطفى اللداوي مقالا نشرته بعض المواقع والصحف، بعنوان «البابا يعترف في بيت لحم» استهله بالفقرة التالية:

«تُرى هل جلس بابا الفاتيكان فرنسيس الأول بصفاءٍ مع نفسه، وطهرٍ من قلبه، بتصميمٍ وإرادة، ووعيٍ ومسؤولية، ليعترف أمام العالم كله بذنب قومه، وجريمة أتباعه، والخطيئة الكبرى التي اقترفها قادة شعوبه، وحكام بلاده، عندما سهلوا قديماً اغتصاب اليهود لأرض فلسطين، وهجرتهم إليها، واستيطانهم فيها، وطردهم لشعبها، وحرمانه من كل حقوقه المشروعة فيها».

إنها لبراعة فريدة أن يكدِّس الكاتب مثل هذا الجهل والافتراء في فقرة واحدة ناهيك عن تكرار الكلام والحشو الذي لا طائل تحته!

الحقائق التاريخية تقول ما يلي: 

مدينة الڤاتيكان التي يقيم فيها الباباوات وعدد المقيمين فيها اليوم يقرب من 840 نسمة تنتشر على مساحة  440,000 من الأمتار المربعة وقد اتخذت مقام دولة في الحادي عشر من شهر شباط لسنة 1929 باتفاق وقعه الكاردينال پيترو چاسپاري بالنيابة عن البابا پيوس الحادي عشر ورئيس الوزراء الإيطالي بينيتو موسوليني بالنيابة عن ملك إيطاليا في ذلك الحين، ڤيكتور إمانويل الثالث، وقَضى ذلك الاتفاق بأن تكون مدينة الڤاتيكان دولة مستقلة بكل ما في تلك الكلمة من معنى، فهي من هذا الوجه أصغر دولة في العالم مساحة وسكانا، أما الإسم فإن مصدره الكلمة اللاتينية ڤاتيكانوس مونس vaticanus mons أي تلة أو جبل النبوآت (إحدى تلال روما السبع، قديما) حيث كان العرافون يدلون بنبوآتهم على هذه التلة أيام الرومان.

مما أوردته أعلاه نستدل بأن البابا فرانسيس الأول يقيم في مدينة الڤاتيكان وهو الحاكم الإداري المطلق السلطة في هذه المدينة فقط لا غير، ولا سلطة له على أي شبر مربع آخر من بقاع الأرض، وهو رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم ومن الصواب أن يُدعَى «بابا الكاثوليك» وليس «بابا الڤاتيكان»، كما نقول «بابا الأقباط» أي رأس الكنيسة القبطية كما أن هناك الكنيسة الأنچليكانية التي يرأسها رئيس أساقفة كانتربري وغير ذلك من الكنائس الأخرى كالأرثوذكسية وغيرها.

وعليه، فإن البابا ليس له أي سلطة مدنية على أتباع الكنيسة الكاثوليكية حيث ما حلوا، وما هو بصاحب الأمر في أي بلد من البلدان التي يقطنها أكثرية من الكاثوليك، وبالتأكيد لا شأن له في أمور الذين ينتمون لكنائس أخرى كالأرثوذكسية أو البروتستانتية أو الأنچليكانية أو غيرها.

والأمر كذلك فإن ما أورده الكاتب هو جهل بحقيقة الأمور، لأن “العالم المسيحي” الذي يعتقد الكاتب أن البابا زعيمه ليس له وجود إلا في أوهام الكاتب وذلك لأن الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا ودول وسط وجنوب أميركا وأستراليا والفيلپين وغيرها ليست سوى دول رأسمالية مثلها مثل العديد من الدول العربية وتركيا وإيران والعديد من دول آسيا كاليابان وكوريا الجنوبية، وكم من حروب طاحنة خاضتها تلك الدول المسيحية الواحدة ضد الأخرى وكفى بالحربين العالميتين في القرن العشرين برهانا على ما أقول وعشرات الحروب في القرون السابقة يعرفها كل من قرأ تاريخ العالم.

من الجدير بالذكر أن المسيحية في جوهرها ليست دين ودولة، بل هناك فصل كامل بين الدين والدولة ومعظم الدول الديمقراطية تتبع ما اصطلح على تسميته «نظام ويستمنستمر» البريطاني الأصل، وهو القائم على ثلاث سلطات مستقلة، التشريعية والقضائية والتنفيذية، حيث أن السلطة القضائية تقضي حسب القوانين التي تسنها السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية تنفذ أحكام القضاء وتتقيد في تصريفها لشؤون الدولة بالدستور والقوانين التي تسنّها السلطة التشريعية، وقد قال المسيح بوضوح لا لبس فيه للذين سألوه إذا كان من الجائز دفع الضرائب للوالي الروماني الذي يحكم باسم القيصر في روما:

«أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». 

«القيصر» هي الحكومة في أيامنا وهي التي تهتم بأمور المواطنين في الدولة فتوفر الأمن ومعاهد التعليم وخدمات الصحة وغير ذلك من المصالح التي يحتاجها المواطنون، ولا بد لها من جمع الضرائب من المواطنين للقيام بمسؤولياتها، أما الله فلا يطلب منا سوى عمل الخير، وما كان من انغماس الباباوات في الشؤون السياسية في العصور الغابرة ليس سوى انحراف مذموم عن تعاليم المسيح وقد بدأت نهايته مع نشوب الثورة الفرنسية وتلاشى في ما بعد.

لست أدري ما الذي يحمل الكاتب على أن يطلب من البابا أن يعتذر ويستغفر ويندم على ما لحق بالفلسطينيين من قتل وجور وتشريد ومعاناة خلال الاستيطان الصهيوني منذ أيام الأتراك إلى عهد الانتداب وما بعد قيام إسرائيل في الخامس عشر من شهر أيار لسنة 1948.

المسيحي يؤمن بأن المسيح الذي جاء في عهد الوالي الروماني پونتيوس پايليت هو المخلص الذي ورد ذكره في كتب الأنبياء، خاصة كتاب أشعيا وقد آمن به بعض اليهود وأنكر ذلك البعض الآخر منهم، خاصة الصدوقيون أصحاب الأمر والنهي، وهم حلفاء الرومان وسدنة الهيكل في ذلك الوقت وكل من جاء بعدهم من اليهود حتى يومنا هذا يعتقد أن المسيح لم يأت بعد، وأن المسيحيين يتبعون تعاليم شاب يهودي ضال وكاذب، انتحل شخصية المسيح زورا وبهتانا وأغرى الناس باتباعه، أي أن جميع المسيحيين على ضلال، ولا أظن مسيحيا يجهل ذلك، ولذلك فإن زعم الكاتب بأن المسيحيين عطفوا على اليهود لدوافع دينية وساعدوهم على الاستيلاء على فلسطين، وهي مهد المسيحية، يناقض المنطق السليم، فقد عانى يهود أوروبا من بغض المسيحيين لهم والاضطهاد الديني لقرون طويلة، فكيف تحولت تلك الكراهية إلى محبة وعطف بين ليلة وضحاها؟ 

قضية فلسطين لم تكن قضية دينية في نظر عامة الأوروبيين في القرن التاسع عشر.  القضية الأهم كانت ولا تزال ضمان أمن أوروبا التي كانت على وشك السقوط في يد الأتراك لو لم يندحر الجيش العثماني في الثاني عشر من شهر أيلول لسنة 1683 على أبواب مدينة ڤينا بعد حصار دام شهرين وكان سبب اندحاره نجدة ملك بولندا في اللحظة الأخيرة، وقد سبقه حصار آخر سنة 1529 لمدينة ڤينا كان مصيره الإخفاق أيضا لكن تلك الحملات كانت ترمي إلى احتلال أوروبا وهذا ما حفر في ذاكرة الأوروبيين أخاديد لم ولن تمحى، أي أن أوروبا تعيش في ظل قلق دائم من نشوء قوة في الشرق تهدد أمنها منذ سقوط  القسطنطينية في يد الأتراك سنة 1453.  لا بد من التنويه أيضا أن الهند كانت قد أصبحت أهم مستعمرة بريطانية في منتصف القرن التاسع عشر بعد ما يقرب من نصف قرن من الزحف الاستعماري البريطاني عليها وهذا ما زاد من أهمية الهيمنة الأوروبية على غرب آسيا خاصة بعد حفر قناة السويس التي أصبحت الممر المائي الأهم الذي يربط دول أوروبا بمستعمراتها في شرق وجنوب آسيا كإندونيسيا والفيلپين وغيرها. 

بعد تلك الحملات نشأ إجماع أوروبي على الحؤول دون قيام قوة تهدد أمنها من الشرق وهذا ما اصطلح على تسميته في أوروبا بالمسألة الشرقية أو القضية الشرقية.  

ظهر موقف أوروبا الموحد في مؤتمر لندن الذي عقد بعد انتصار إبراهيم باشا على الجيش العثماني في معركة نصيبين، واستسلام الأسطول العثماني لمحمد علي سنة 1839 وكان ذلك سببا في انعقاد مؤتمر لندن الذي انتهى بتاريخ 15 تموز لسنة 1840 بتوقيع معاهدة بين كل من بريطانيا وروسيا وبروسيا والنمسا وتركيا اضطر على أثرها محمد علي إلى سحب قواته من بلاد الشام.

ولأن الفصل بين شرق العالم العربي وغربه، للحؤول دون وحدته، لا يتم إلا بالسيطرة على فلسطين لكونها همزة الوصل بين شِقَّيه، كان لا بد من إنشاء كيان غير عربي يتولى هذه المهمة.  لم يكن بوسع البريطانيين استنباط أي ذريعة للاستيطان في فلسطين وإقامة كيان لهم هناك  مثل ما استوطنوا في أميركا وأستراليا ونيوزيلاند وغيرها، فلم يجدوا خيرا من اليهود ليقوموا بالاستيطان بالوكالة عنهم، لأن اليهود فقط باستطاعتهم أن يوفِّروا الذريعة اللازمة وذلك بأن يزعموا بأنّ لهم الحق المشروع في فلسطين لأنها أرض الميعاد كما جاء في التوراة وقد كان لهم فيها مملكة في الماضي ولهم الحق في إعادة بناء تلك المملكة، بغض النظر عن أنّ الغالبية العظمى منهم لا تمت بصلة إلى قدماء اليهود، فيهود أوروبا معظمهم ينحدر من أصول خزرية، ويهود شمال إفريقية من أصول بربرية.

بعد هزيمة الجيش العثماني في نصيبين، أرسل تشارلز هنري تشرتشل، القنصل البريطاني في دمشق في ذلك الحين والذي عُرف بين السكان المحليين باسم تشرتشل بك، أرسل كتابين إلى موشيه مونتيفيوري زعيم اليهود البريطانيين، الأول بتاريخ 14 حزيران 1841 والثاني بتاريخ 15 آب 1842 يحثه فيهما على استيطان اليهود في فلسطين (ولا أظن أن قلبه كان يتفطر أسى شفقة على اليهود في بريطانيا، خاصة وأنهم كانوا في حال يحسدهم عليها باقي يهود أوروبا) وبذلك يكون أول من أرسى الأساس للحركة الصهيونية قبل قيامها بأكثر من نصف قرن!  كما أن پالمرستون وزير الخارجية البريطانية في ذلك الحين أرسل بتاريخ 11 آب 1840 كتابا إلى پونسونبي السفير البريطاني في الآستانة يطلب منه إقناع السلطان بتشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين ليقفوا في وجه المطامع الشريرة لمحمد علي والإفادة من الأموال اليهودية التي ستتدفق على خزينة السلطان نتيجة تلك الهجرة.

لم يتحقق الحلم البريطاني إلا بعد قيام الحركة الصهيونية رسميا بعد مؤتمر بازل سنة 1897 بمبادرة من ثيودور هِرتسل لأسباب لا مجال لسردها هنا ثم كانت الحرب العالمية الأولى واتفاقية سايكس- پيكو وخدعة البريطانيين للعرب الذي انضموا للحرب ضد تركيا بقيادة الشريف حسين وأولاده وهم لا يعلمون ما يبيّته البريطانيون لهم حتى نشر وعد بالفور، ثم الانتداب البريطاني بقرار من عصبة الأمم، الذي فتح أبواب فلسطين على مصراعيها للهجرة اليهودية وكان ما كان!

لست أدري لماذا ينحو الكاتب باللائمة على الغرب ويحمله مسؤولية تشريد الشعب العربي القاطن في فلسطين ولا ينحو باللائمة على الضعف والتخلف والفساد العثماني والعربي والخيانة التي كان يمارسها الولاة والموظفون العثمانيون وغيرهم من زعماء وشيوخ وأمراء وإقطاعيين عرب الذين لولا تواطؤهم وتعاونهم مع بريطانيا والحركة الصهيونية لما تمزق العالم العربي برمته شر ممزق، فها هي بلاد العرب تطحنها حروب غيّرت معالمها وأعادتها إلى الخلف سنوات ستجعل منها دويلات لا شأن لها، بعد أن أحرقت البشر والشجر ونسفت الحجر.

كان الأولى بالكاتب مصطفى يوسف اللداوي قبل أن يكتب مقاله أن يتأكد من صحة مزاعمه والأجدر به أن يعتذر عن الإفتراآت والاتهامات التي أطلقها دون التحقق منها.

لو كان الغرب مسيحيا حقا لما عمل على اجتثاث المسيحيين من الشرق منذ القرن التاسع عشر. كان المسيحيون في منتصف القرن التاسع عشر يمثلون ما يقرب من ثلث السكان في بلاد الشام ومصر وكانوا رواد النهضة في كل مجال، وها هم اليوم يختفون تدريجيا من الكثير من المناطق التي عمروها منذ ما يقرب من ألفي سنة، وما حدث لمسيحيي العراق في ظل الحراب الأميركية لا يخفى على أحد، وما حدث في معلولا وصدد وكسب وغيرها من الجرائم في الآونة الأخيرة شاهده «العالم المسيحي» المزعوم بأسره وهو يفرك يديه من الفرح سرا.

عصام زكي عراف
معليا 
الجليل الغربي




Saturday, 2 August 2014

ناصر جرجس العيسى



أسماء وأحداث منسية: ناصر جرجس العيسى (1887-1965)



ولد الشاعر ناصر جرجس العيسى سنة 1887 في قرية الرامة في الجليل في شمال فلسطين أنهى دراسته الابتدائية ثم التحق بدار المعلمين الروسية في الناصرة وبعد تخرجه منها عُيَّن مديرا للمدرسة الروسية في قرية بينو في قضاء عكار وبعد ذلك مديرا للمدارس الروسية في كل من بلدتي منيارة وكسبا في شمال لبنان.
عاد بعد نهاية الحرب العالمية الأولى إلى مسقط رأسه ثم عمل معلما في بيت لحم ثم في ثانوية عكا للبنين.
أحيل على التقاعد عام 1943 ولكن مديرية المعارف بفلسطين احتفظت به أستاذًا للعربية بثانوية عكا تقديرًا لنجاحه في التدريس، وظل يدرس حتى اقتلعته حرب 1948 في فلسطين.
عمل في العراق (1948) معلمًا للأدب العربي في المدرسة الثانوية بمدينة الحلة لمدة عشر سنوات، ورحل عنها (1958) إلى طرابلس الشام.
توفي في منطقة الكورة في لبنان سنة 1965.
ذكر لي الأستاذ الصديق صفوت عودة (أبو يوسف) من ترشيحا، وكان من تلاميذه، أن الشاعر دخل عليهم غرفة التدريس في ثانوية عكا للبنين وهو متجهم الوجه وأخذ يذرع الغرفة ذهابا وإيابا أمام الطلاب وهو صامت ثم توجه إلى طلابه قائلا:
أسألوني ماذا بك، لماذا لا تسألوني؟
فقال الطلاب: ماذا بك يا أستاذ؟
فأجاب: لقد أذيع في الأخبار اليوم أن شرق الأردن أصبحت مملكة، هل تعلمون ما يعني هذا الإعلان؟ هذا يعني أن الثمن سيكون فلسطين!
عندما أطلق المعلمون في المدارس الفلسطينية شعر ذقونهم احتجاجا على سياسات حكومة الانتداب كان الشاعر من الذين شاركوا في الاحتجاج، وفي أحد الأيام دخل غرفة التدريس وهو حليق الذقن فرأى وجوه الطلاب تطفح بالأسئلة فأنشدهم الأبيات التالية:
وقفت أمام مرآتي أناجي ***** بها وجها كثيف الشعر كاسف
وقلت أيا مليحة أخبريني: ***** أأحلق شعر ذقني أم أجازف
هنالك مبدآن: ثبات حرٍ ***** وحكم الظالمين من الزعانف
تجهم وجهها الصافي وقالت ***** رأيتك يا أخا الآداب خائف
ألست الشاعر المقدام تلقي ***** قصائد ثائرات كالعواصف
وتلهب كل عقل عبقري ***** وتحيي ما استمات من العواطف
فقلت بلى ولكني جبان ***** وإنَّ الجبن في أهل المعارف
إيضاح:
أهل المعارف هم المدرسون في المدارس الحكومية أيام الانتداب البريطاني على فلسطين لأن ما يطلق عليه اليوم اسم وزارة التربية والتعليم كانت تدعى في ذلك العهد "وزارة المعارف".
عصام زكي عراف

Wednesday, 11 June 2014

مطران جديد، فهل من جديد؟

مطران جديد، فهل من جديد؟


في السادس عشر من شهر حزيران الجاري للسنة الرابعة عشر بعد الألفين من ميلاد المعلم يسوع المسيح سيجتمع مطارين الطائفة الملكية الكاثوليكية (السينودوس «المقدس») في لبنان لاختيار مطران لأبرشية عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل خلفا للمطران الياس شقور الذي استقال من المنصب في شهر شباط المنصرم بعد أن كَثُرَ التذمر من سلوكه بين أبناء الأبرشية، وقد كانت فترة خدمته من أسوأ ما عرفته الأبرشية حتى اليوم.
لدى طائفة الروم الكاثوليك اليوم أكثر من ثلاثين مطرانا ما بين سالك في الخدمة ومتقاعد أو نائب بطريركي (هذا ما علمته من أحد قدماء الكهنة ولم أجد في موقع البطريركية العدد الدقيق) 
سألت نفسي: 
«من ذا الذي يرشح الكهنة لهذا المنصب؟ وما هي المزايا التي يجب أن يتحلى بها الكاهن ليكون جديرا بهذه المسؤولية الجسيمة؟ وهل يخضع لاستجواب من قبل لجنة مختصة من غير رجال الدين لكي نعرف إذا ما كان جديرا بتبوّأ هذا المنصب والقيام بتلك الخدمة على أتم وجه؟ (كما يخضع الذين يرشحهم الرئيس الأمريكي لمناصب هامة لأستجواب أعضاء الكونچرس).  ما الذي يدور بخَلَدِ كل واحد من هؤلاء المطارين عندما يمنح صوته لأحد المرشحين، وما الذي يجعله يفضِّلُ كاهنا على آخر ليكون مطرانا لأبرشيتنا التعيسة؟ ما هو دور العلاقات الشخصية أو الإغراء والإغواء والترهيب والترغيب؟».
جالت هذه الأسئلة في خاطري لما عاينته وسمعته في الخمسة عقود الأخيرة من تصرفات المطارين الذين يضمن لهم هذا المنصب بأن يكونوا من الذين «يَسأَلون ولأ يُسأَلون»، فبعد أن يكون الواحد منهم كاهنا بمرتب محدود ويكون خاضعا خضوعا شبه تام لمطران أبرشيته يصبح ما غمضة وانتباهتها صاحب الأمر والنهي والعقد والحل في الأبرشية التي يولّى عليها في قصر أو على الأقل قُصَيرٍ يحيط به الخدم والحشم الذين يسهرون على راحته ويقتني ما شاء من السيارات الفارهة، ويسافر في مقصورة الدرجة الأولى في الطائرات، وكل ما زار رعية تقام على شرفه المآدب العامرة بكل ما لذ وطاب احتفاءً بقدوم سيادته والكل يتنافس للتقرب منه ففي يديه مفاتيح الملكوت ومفاتيح خزائن الأبرشية معا، فالمقربون المحظوظون ينعمون بنعيم الدنيا والآخرة، لأن قوانين الكنيسة الشرقية تبيح له التصرف بعقارات الوقف والمدارس وغيرها تصرف المالك بملكه فيبيع ويؤجر ويرهن ما شاء بالثمن الذي يرتأيه دون حسيب أو رقيب وهكذا تبخر العديد من الأوقاف في أبرشيتنا دون أن يعلم أحد حق العلم حتى يومنا هذا ماذا كنا نملك وكم بقي لنا منها.  والأمر لا ينتهي عند هذا الحد لأن منصبه يتيح له أن يفصل من يشاء من مديرين ومعلمين وموظفين في مدارسنا وأن يعين بدلا منهم من يشاء من الذين نالوا عطفه ورعايته دون غيرهم فانهار مستوى التحصيل العلمي فيها بعد أن كانت قِبلة الطلاب من جميع الطوائف ومن كل حدب وصوب، كما أن معظم الكهنة يخشونه ويطلبون رضاه لأنه يستطيع أن ينقلهم من رعية إلى أخرى حسب ما يشاء، فهو الذي يدفع أجورهم ويتحكم في لقمة عيشهم ويستطيع أن يحوّل حياتهم إلى جحيم إذا غضب على أحدهم فينفيه إلى حيث شاء.
الأسوأ من ذلك كله أنه يستطيع التوجه إلى أصحاب النوايا الحسنة والضمائر الحية في داخل البلاد وخارجها ويستجدي منهم التبرعات باسم المؤمنين القابعين في الأراضي المقدسة ويودع تلك الأموال في حسابه الخاص فيشتري بها من شاء من أراض وعقارات باسمه الخاص وكل ذلك لأن القوانين البائدة أي قوانين «أمّنا» الكنيسة المقدسة تسمح له بذلك.
سؤال آخر يتبادر إلى الذهن:
ما هي نسبة تلاميذ المسيح الحقيقيين من بين الإكليروس؟ بطبيعة الأمر لا أحد يستطيع أن يجيب الجواب الدقيق على هذا السؤال، ولكن من الذي عاينته في الخمسين عاما الأخيرة، أي منذ بلغت أشدي، هم قلة قليلة، أما الغالبية العظمى فأقل ما يقال عنهم أنهم ولّوا يسوع المسيح ظهورهم وخانوه وتنكّروا لرسالته ولا هم لهم سوى اكتناز ما يتيسر لهم ولأقاربهم وكأنهم ذئاب تعيث فسادا حيث ما حلوا ولم يزرعوا في حقل الرب سوى الزؤان والأشواك ولم يغرسوا سوى الأشجار العقيمة التي قال عنها يسوع ما قاله. 
الوجود المسيحي في الشرق برمته مهدد بالزوال ومن يرى ما يحدث منذ عهد بعيد لا يسعه إلا أن يقول بأن الزوال الكامل أصبح وشيكا، وما حدث في العراق خير دليل وشاهد حيث أن معظم المسيحيين اضطر للهرب من وطنهم لينجو بنفسه بعد أن أصبح تفجير الكنائس والاعتداء على الأشخاص والأملاك أمرا شائعا وما من نصير، وما يحدث في سوريا لا يقل فظاعة.  صحيح أن جميع الطوائف تعاني من الاعتداء على الأبرياء لكن الوجود المسيحي هو الوحيد المهدد بالزوال لأن المعتدي على المسيحي في الشرق لا شيء يردعه في غياب سيادة الدولة وهيمنة قانون الغاب فنحن لا نملك جيوشا، وليس لدينا عصابات مسلحة، أما أن يكون بلاؤنا من داخلنا فهذا مما يعجّل بتقويض وجودنا وفنائنا عن قريب، أما ترون أن عدد أبناء الأبرشيات من جميع الطوائف يتناقص باستمرار في كل مكان؟ الكثير من المسيحيين يقيمون في أوطانهم على مضض، لأن الهجرة غير متيسرة لهم فهل لديكم علم بهذا؟ 
كان لأبرشيتنا مطران رعاها ما يقرب من أربعين عاما فازدهرت أيما ازدهار حتى أن بعض رعايا إخوتنا من الروم الأرثوذكس تحولوا إلى الكاثوليكية لما رأوا من حسن رعايته الأبوية المخلصة وإنجازاته العمرانية الباهرة وكان أشبه الناس بالمسيح خَلْقاً وخُلُقاً كما قال شاعرنا الكبير وصديقه الحميم خليل مطران عندما هنّأه بيوبيله الفضي:
بورك في خُلقك المليح         يا أشبه الخَلق بالمسيح
فأين نحن من هذا كله؟
حتى دير المخلص الذي خرج منه العديد من العظماء من الكتاب والشعراء والخطباء أمثال المطران الحجار والأب نقولا أبو هنا، الذي ترجم حكايات لافونتين إلى العربية شعرا مدهشا، أصبح اليوم ظلا باهتا لماضيه المجيد،  كان للمسيحيين في الشرق الفضل الأكبر في النهضة العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، فلماذا تقلص وانحسر هذا المد الحضاري الفكري البنّاء ومن هو المسؤول عن ذلك؟   
بعض الجواب ولا أقول كله، تجدونه عند أحد عظمائنا، المرحوم الأب نقولا الصايغ الرئيس العام لدير المخلص في القرن الثامن ومن أهم بناة مجدنا في الماضي حيث يقول في مستهل إحدى قصائده:
كَثُرَ العِثارُ بعَثرةِ الرُؤَساءِ        وغَوَى الصِغارُ  بِغرَّة الكُبَراءِ
لمَّا رأَيتُ الرأسَ وَهوَ مُهشَّمٌ        أَيقنتُ منهُ تَهَشُّمَ الأَعضاءِ 
إذا استمر الحال في أبرشيتنا على ما هو عليه في العقود الأخيرة من فساد وقدوة سيّئة فلن تقوم لنا قائمة أبدا ويكون السينودس الذي سيلتئم في عين تراز بعد أيام قد دق المسمار الأخير في نعش أبرشية عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل، هذا الجليل الذي بدأ به يسوع رسالته ومنه اختار أول تلاميذه وكان منه أول المؤمنين به، يبدو أنه لن يبقى له فيه أتباع عما قريب.
لست أدري متى ومن سن قوانين الكنيسة، ولكني أراها تتناقض وتعاليم المسيح وسيرته، حبذا لو فرضت الكنيسة على كل من ينوي أن يكون خادما في حقل الرب أن يحفظ ما كتبه جبران خليل جبران عن ظهر قلب فقد أدرك هذا الكاتب والشاعر العظيم سر رسالة يسوع المسيح على حقيقتها (ولذلك ناوأه رجال الكثير من رجال الكنيسة في ذلك الوقت)، ومن يقرأ ما جاء في كتابه "يسوع ابن الإنسان" يعلم حق العلم أن هناك بونا شاسعا بين سيرة المسيح وبين سيرة معظم رجال الكنيسة اليوم وفي الأمس.
حان الحين وآن الأوان لأن نغيّر من قوانين الكنيسة وأنظمتها التي أكل الدهر عليها وشرب، فالماء الراكد يصبح آسنا لا يصلح للشرب، والماء الجاري هو علامة التجدد، ولنأخذ العبرة من برلمانات الدول المتحضِّرة التي تعيد النظر باستمرار في دساتيرها وقوانينها لكي تتناسب مع التطور والتشعب في مناحي الحياة.


كلمة «سينودس» كلمة يونانية الأصل، σύνοδος، مصدرها كلمتان، كلمة سُنْ σύν ومعناها، «معا» وكلمة «هودوس أو أودوس» ὁδός ومعناها طريق، رحلة، أو ممرّ.  وتعني جمعية أو مجلس أو لقاء المطارين في الكنائس عامة والكنائس الشرقية الأرثوذكسية والكاثوليكية، خاصة في العصور الحديثة.

عصام زكي عراف
معليا 
الجليل الغربي

Wednesday, 16 April 2014

رثاء المرحوم الصديق نعيم مخول

رثاء صديق فاضل مناضل

رثاء الصديق، المرحوم نعيم مخول (أبي مُكَرَّم) من البقيعة الغربية، القرية التي بناها بنضاله وتضحياته.

قصدت الدار دار أبي مكرم                 وإذ بالحزن فوق الدار خيّم
نظرت إلى عيون الأهل فيها                 وإذ بالجفن مقروحٌ مُكَلّم
فقلت لصاحبي والقلب يدمَى               ذَوَت أيامُنا والحيُّ أظلم
فقدنا سيّدَ المَيْدان منّا                        فقدنا فارسا فذّا مُخَضرَم
جوادا حائزا من كل فضلٍ                  بنى من فضله فخرا ومعلم
سديد الرأي إن أدلى برأي                 وفي الشدات لا يخشى العرمرم
بدرب الحق يمضي لا يبالي               ولو جار القضاة بكل مغرم
خطيبٌ في المحافل لا يجارى              فصيحُ اللفظ إن يوما تكلم 
يهُب لنُصرة الحق ابتدارا                  وما يوما تلكّأ أو تلعثم
له في كل معترك غبارٌ                      وما عرف النكوص ولا تجمجم
بنى صرحا من الأمجاد سام            له أسٌّ بأرض المرج محكم
يكافح سلطة زلَّت وزاغت                  تروم بأرض ذاك المرج مغنم
بهام شامخ وثبات قلب                    وعزم لا يُفلُّ ولا يُثلَّم
رحلت وفي الضلوع لك التياعٌ          كنيران المجامر إذ تَضَرَّم
لَئن غال الرّدى جسما نحيلا            فذكرك دائما حيٌّ مُكرَّم
لك في كل قلب مستقرٌّ                   وعهدٌ لا يحول ولا يُصَرَّم
ستغدو بعدك الساحات ثكلى          وطعم العيش ممزوج بعلقم

عصام زكي عراف
معليا
الجليل الغربي

Saturday, 15 February 2014

ذرّ الملح على الجروح

ذرّ الملح على الجروح

بيان صادر عن رابطة طائفة الملكيين الكاثوليك (قيد التأسيس) 

الأخوات والإخوة الكرام، أبناء أبرشية عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل للروم الكاثوليك، حفظكم الله

وَجَّهَ كاهن رعية حيفا، الأب أغابيوس أبو سعدى الدعوة التالية: 
«ندعو الجميع للمشاركة في الليتورجية الإلهية التي يحتفل فيها سيادة المطران الياس شقوا نهار الأحد القادم الساعة السابعة - قداس شكر لخدمته في أبرشية عكا والجليل. 
بغض النظر عن الذي كان من وراء هذه الدعوة، بودنا نحن أعضاء لجنة المبادرة لطائفة الملكيين الكاثوليك أن نسترعي انتباهه أن مثل هذه الدعوة لا مكان لها ولا مبرر.  
عندما عندما اعتزل المطران شقور كان لسان حال الغالبية العظمى من أبناء الأبرشية ومن الكهنة يقول: 
يا له يوما سعيدا للبنين الصالحينا!
السؤال الذي لا بد منه هو: 
ما هي النعم التي حلت على أبرشيتنا منذ سيامة الخوري الياس شقور مطرانا على أبرشيتنا؟ هل هي المحاكم التي خاضها ضد أبناء أبرشيته؟ أم هو الدمار الذي لحق بمعاهدنا ومدارسنا عندما أخذ يفصل ويعيِّن المديرين والمدرسين على هواه؟ أم العلاقة «الودية» التي أقامها مع كهنة الطائفة؟
يترك الياس شقور المطرانية غير مأسوف عليه من الغالبية العظمى من أبناء الأبرشية، لأنه خالف سيرة المسيح في كل أعماله.
كان الياس شقور يجول العالم يشرح للناس فهمه «العميق» لعظة سيدنا يسوع المسيح على الجبل وكم من مرة كرر العبارة التي وردت في إنجيل متى: 
«طوبي لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون» (مت5: 9).  
هل كان حقا صانع سلام ومخلصا لتعاليم المسيح كما كان يزعم قبل أن يصبح مطرانا؟
هل كان المطران الياس شقور عطشا إلى البر؟ هل كان وديعا كالحملان حقا؟ هل أحب أعداءه أم جعل الكثير من الناس أعداءا له؟ هل أحب الخير أم أحب المال؟ هل كان متواضعا أم أنه عشق الشهرة والجاه الدنيوي الزائف؟ 
هذه الدعوة هي إهانة في الصميم لبنات وأبناء الأبرشية الشرفاء والمخلصين، لا بل هي صفعة مدويّة من الذين بادروا لها.
ليس واضحا من النص من الذي سيشكر من، هل هو الياس شقور الذي سيقدم الشكر لربه لأنه اختاره ليتربع على كرسي المطرانية؟ وهل حقا كانت تلك يد الرب التي اختارته؟
أم أن الشكر للمطران شقور من أبناء الأبرشية على أياديه البيضاء التي أسبغها عليهم؟
ما هي المآثر التي خلّفها الياس شقور التي كانت وراء الدعوة إلى قداس احتفالي لشكره وتكريمه؟ احتراما للمدعوين كان من الواجب على الداعين أن يذكروا مأثرة واحدة من تلك المآثر.
عطفا على ما جاء أعلاه نحن نستنكر ونشجب هذه الدعوة وندعو جميع أبناء الأبرشية للنأي بأنفسهم عن هذا القداس وندعوهم لتعميم هذا الاستنكار والشجب على معارفهم وأصدقائهم.

السبت في 15-2-2014